تقارير

بين الإصرار السعودي وتراجع الشعبية الأمريكية: من يدفع فاتورة حرب اليمن؟

09/10/2026, 03:11:22
المصدر : بوليتيكو

بين الإصرار السعودي وتراجع الشعبية الأمريكية: من يدفع فاتورة حرب اليمن؟

بوليتيكو

لا تعتزم السعودية النظر في وقف إطلاق النار مع الحوثيين قبل استعادة الأراضي التي خسرتها مؤخراً في اليمن، ما يرجّح تصاعد القتال قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، التي ستكون فيها صراعات الشرق الأوسط وأسعار النفط من القضايا المؤثرة في خيارات الناخبين.

وبحسب ستة أشخاص مطلعين على طريقة تفكير القيادة السعودية، بينهم مسؤولون إقليميون، فإن الرياض لا تريد الظهور بمظهر الضعيف، وتخشى أن يستغل الحوثيون أي هدنة للسيطرة على مزيد من الأراضي. وتحدث بعض هؤلاء شريطة عدم الكشف عن هوياتهم لمناقشة مسائل دبلوماسية حساسة.

ويخوض الحوثيون المدعومون من إيران حرباً ضد الحكومة اليمنية منذ أكثر من عشر سنوات، ويسيطرون على جزء كبير من البلاد، بما في ذلك العاصمة صنعاء. ورغم أن هدنة عام 2022 خففت حدة القتال، فإن الصراع اشتد خلال الأشهر الأخيرة.

وسيطر الحوثيون الشهر الماضي على أراضٍ استراتيجية على امتداد البحر الأحمر، قبل أن تشن السعودية، الداعمة للحكومة اليمنية، هجوماً هذا الأسبوع لاستعادة تلك المناطق وانتزاع السيطرة مجدداً على مضيق باب المندب، الذي يُعد ممراً حيوياً لصادرات النفط السعودية.

ويعني استمرار القتال أن عبور السفن مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر سيظل محفوفاً بالمخاطر في المستقبل المنظور، ما يزيد الضغوط على أسواق النفط العالمية وحركة التجارة، اللتين تعانيان بالفعل من تداعيات المواجهة الأمريكية الإيرانية بشأن مضيق هرمز.

وهذه أنباء سيئة لمرشحي الحزب الجمهوري، ولأي طرف يأمل في انحسار الاضطرابات الاقتصادية قبل انتخابات نوفمبر.

وقال الخبير الاستراتيجي الجمهوري ماثيو بارتليت إن الناخبين الأمريكيين، حتى إن لم يكونوا على دراية بتفاصيل الصراع مع الحوثيين، فسيتأثرون بردود فعل الأسواق الناتجة عنه.

وكان الحوثيون قد فرضوا بالفعل حصاراً بحرياً على السفن السعودية، وتسببوا في تعطيل خط أنابيب نفطي سعودي حيوي، قبل الجولة الأخيرة من الضربات.

وقال بارتليت، الذي شغل منصباً في وزارة الخارجية خلال إدارة ترامب الأولى: "كثير من الناس يقولون: إلى جانب من نقف في هذا الصراع؟ لا يهمني. لقد سئمت كل ذلك. ما يهمني هو تكاليف المعيشة وأسعار البنزين". 

وتراجعت شعبية الرئيس دونالد ترامب بشدة بسبب إدارته للحرب مع إيران والارتفاع الكبير في أسعار البنزين الذي أعقبها.

وامتنع ترمب عن إصدار أوامر بشن غارات جوية أمريكية ضد الحوثيين رغم أن الولايات المتحدة تقدم دعماً للسعوديين خلف الكواليس. 

وقال مايكل راتني، السفير الأمريكي السابق لدى السعودية، في مقابلة أجريت معه أثناء وجوده في الرياض هذا الأسبوع: "ما دام الحوثيون يسيطرون على هذه الأراضي الممتدة على طول باب المندب، ويطلقون الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه السعودية، فلا أعتقد أن السعوديين يستطيعون حتى الحديث عن خفض التصعيد". 

وأعرب شخص مطلع على مفاوضات الأمم المتحدة بشأن اليمن عن الرأي نفسه، قائلاً: "من المستحيل تحديد موعد انتهاء هذا الصراع". 

ورأى الخبير الاستراتيجي الجمهوري أليكس كونانت أن الناخبين سيربطون على الأرجح الصراع في اليمن بالحرب غير الشعبية مع إيران، حتى وإن لم يكن البيت الأبيض منخرطاً فيه بصورة مباشرة.

وتتزايد احتمالات تشابك الحربين بصورة أكبر في ظل العلاقات العسكرية القائمة منذ سنوات بين إيران والحوثيين. 

وقال كونانت عن الجمهوريين مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي: "سيتحملون مسؤولية ذلك، سواء أعجبهم الأمر أم لا". 

وأضاف أن ترامب حاول خفض الأسعار بوسائل أخرى، منها الضغط على مجموعة السبع للإفراج عن احتياطياتها النفطية، لكن قدرة البيت الأبيض على تجنب التداعيات تبقى محدودة في نهاية المطاف.

وقال بريت إريكسون، الشريك الإداري الرئيسي في شركة (أوبسيديان ريسك أدفايزرز) للاستشارات، إن إحجام السعودية عن السعي إلى إنهاء سريع للصراع عبر الدبلوماسية سيؤدي، بصورة شبه مؤكدة، إلى تفاقم أزمة أسواق الطاقة العالمية.

ووصف إريكسون الموقف السعودي بأنه "مغامرة بالغة الخطورة"، مضيفاً: "أظهرت السعودية قدرة محدودة للغاية على منع الحوثيين من استهداف البنية التحتية الحيوية للطاقة في مختلف أنحاء المملكة". 

وتضررت صادرات النفط السعودية بالفعل بسبب الحصار البحري الذي أعلنه الحوثيون ضد المملكة في يوليو.

ووفقاً لشركة (ويندوارد) المتخصصة في الاستخبارات البحرية، توقفت السفن التي ترفع العلم السعودي بصورة شبه كاملة عن عبور المضيق منذ يوليو، بينما انخفض عدد رحلات ناقلات النفط عبره بأكثر من الربع، لكن الحوثيين سبق أن استغلوا اتفاقات وقف إطلاق النار لإعادة بناء ترسانتهم العسكرية.

وقال مسؤول إقليمي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته للكشف عن تقييمات حساسة: "المفاوضات التي لا تفعل سوى منح الحوثيين الوقت لإعادة تنظيم صفوفهم والتسلح والاستعداد لجولة التصعيد المقبلة، لا يمكن اعتبارها سلاماً"، وأضاف أن أي اتفاق سلام مستقبلي يجب أن يتضمن "ضمانات موثوقة" و"التزامات واضحة" وآليات فعالة لتنفيذ الاتفاق.

وحتى لو كانت الرياض مستعدة لسلوك المسار الدبلوماسي، فقد يكون من الصعب تحقيق هذه الأهداف بسرعة.

ولم يرد مسؤول حوثي على طلب للتعليق، فيما امتنعت السفارة السعودية في واشنطن عن التعليق.

وأكد مسؤولان أمريكيان مطلعان على الوضع أن الولايات المتحدة تقدم معلومات استخباراتية للسعوديين، تشمل بيانات لتحديد مواقع أهداف الحوثيين، إضافة إلى تزويد الطائرات السعودية التي تنفذ دوريات دفاعية بالوقود جواً، ويشارك في هذا الجهد أكثر من 200 محلل استخباراتي وعسكري أمريكي، لكن الولايات المتحدة لم تنفذ ضربات عسكرية مباشرة ضد الحوثيين.

ويبدو أن ترامب يتردد في خرق الهدنة التي توصل إليها مع الحوثيين العام الماضي، بعد عملية عسكرية أمريكية واسعة ضد الجماعة لم تحقق سوى نتائج محدودة.

وكان الحوثيون قد تعهدوا بعدم استهداف السفن الأمريكية في المنطقة خلال هجومهم الأخير على السعودية، ومع ذلك، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هذا الأسبوع: "لدينا اتفاق دفاعي وأمني مع السعودية، ونحن عازمون على الوفاء بالتزاماتنا بموجبه". 

وامتنع البيت الأبيض عن التعليق على خططه بشأن الصراع مع الحوثيين، ويضع ذلك واشنطن أمام معادلة صعبة، إذ يتعين عليها الموازنة بين التزاماتها الدفاعية تجاه حلفائها السعوديين وتداعيات الانجرار إلى صراع عسكري جديد، خصوصاً في ظل استمرار الحرب مع إيران من دون حل.

وفي غضون ذلك، فعّلت السعودية اتفاقاً دفاعياً أُبرم مؤخراً مع باكستان وتركيا، ويُعرف باسم (تحالف مكة). 

وألمحت الدول الثلاث في بيان مشترك اتسم بالغموض صدر الاثنين، إلى احتمال مشاركة قوات تركية وباكستانية في الجهد العسكري السعودي، من دون أن يتضح الدور الذي قد تضطلع به تلك القوات.

ويقول الحوثيون إنهم تخلوا عن هدنة عام 2022 لأن السعودية لم تفِ بالتزامها رفع الحصار عن اليمن.

وتقول الجماعة، التي تستلهم أفكارها من المذهب الزيدي، أحد فروع الإسلام الشيعي، إنها غاضبة أيضاً من الغارات الجوية السعودية التي استهدفت مطار صنعاء في يوليو، بينما كانت طائرة إيرانية تستعد للهبوط فيه.

لكن مسؤولين أمريكيين وأجانب، حاليين وسابقين، يقللون من شأن بعض مظالم الحوثيين، مشيرين، على سبيل المثال، إلى أن السعودية خففت الحصار بدرجة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

ويكمن الاختلاف الرئيسي اليوم في أن الحرب مع إيران ألحقت أضراراً جسيمة بقدرة السعودية على تصدير النفط، ما جعل المملكة تبدو أكثر عرضة للخطر، ودفع الحوثيين إلى الاعتقاد بأنهم باتوا يمتلكون أوراق ضغط يمكن استغلالها.

والتقى السيناتور الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت، كريس مورفي، المعروف بانتقاده الشديد لسياسة ترامب الخارجية، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الرياض هذا الأسبوع، وقال مورفي للصحفيين بعد اللقاء إن الرياض لا تسعى فقط إلى استعادة الأراضي التي انتزعها الحوثيون، بل قد تتطلع أيضاً إلى التقدم نحو مناطق أبعد، وأضاف: "هذا يخلق خطر الانخراط في عملية عسكرية طويلة أخرى داخل اليمن، ستكون لها تداعيات هائلة". 

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، الثلاثاء، وصف مورفي الوضع العام بأنه "حرب إقليمية شاملة". 

ويعارض مورفي، إلى جانب الديمقراطيين في مجلس الشيوخ عموماً، انضمام الطائرات الأمريكية إلى الحملة الجوية السعودية ضد الحوثيين.

لكن عدداً من المشرعين الآخرين أبدوا استعدادهم، على الأقل، للنظر في هذا الخيار، وقال السيناتور الجمهوري عن ولاية داكوتا الشمالية، جون هوفن، لـ"بوليتيكو" الأسبوع الماضي: "لا أعتقد أنه ينبغي استبعاد أي خيارات"، وأضاف في إشارة إلى الحوثيين: "لا نريدهم أن يخنقوا حركة التجارة في البحر الأحمر". 

وقال الشخص المطلع على مفاوضات الأمم المتحدة بشأن اليمن إن السعوديين كانوا يريدون الانتظار حتى تستقر المواجهة مع إيران أو تصل إلى تسوية، قبل الدخول في محادثات أكثر عمقاً مع الحوثيين بشأن مستقبل اليمن، لكن الحوثيين اختاروا التصعيد بدلاً من ذلك.

وقالت كريستين سميث ديوان، المحللة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، والتي تتواصل بانتظام مع مسؤولين في دول الخليج العربية، إنه حتى في حال عدم إجراء مفاوضات في المستقبل القريب، فإن قنوات الاتصال غير المعلنة تظل مفتوحة في معظم الأحيان بين مختلف الأطراف المنخرطة في الصراع اليمني، وأضافت: "إنها عملية متواصلة إلى حد ما". 

لكنها حذرت من أن الوضع، في مجمله، "خطير، لأن مثل هذه الصراعات يمكن أن تتصاعد دائماً بطرق لا يمكن التنبؤ بها". 

ويبقى ملايين المدنيين اليمنيين من بين أكثر الفئات عرضة للخطر.

فقد عانوا ظروفاً إنسانية قاسية، شملت النزوح الواسع والجوع، منذ اندلاع الحرب عام 2014.

ووفقاً لمسؤولي الإغاثة الإنسانية في الأمم المتحدة، تتزايد حالات الإصابة بالكوليرا في اليمن، فيما اضطر 21 ألف شخص إلى النزوح خلال الأسبوع الماضي وحده.

تقارير

إدانات عربية ودولية للتصعيد الحوثي ودعوات لحماية الملاحة واستئناف المسار السياسي في اليمن

تقاطعت مواقف عدد من الدول خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي بشأن اليمن، عند التأكيد على ضرورة وقف التصعيد العسكري، وحماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ومواجهة تدفق الأسلحة إلى مليشيا الحوثي، بالتوازي مع دعم جهود السلام والتوصل إلى تسوية سياسية تنهي الحرب في البلاد.

تقارير

باكستان وتركيا تعززان دورهما في الصراع باليمن

قد تعرض مشاركة تركيا في اتفاقية مكة الدفاعية لانتقادات من أحزاب المعارضة داخل البلاد؛ إذ ينص الدستور التركي على أن الاتفاقيات الدولية تتطلب عادةً موافقة الجمعية الوطنية الكبرى (البرلمان التركي)، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

تقارير

ليلة سقوط الساحل الغربي... كيف سيطر الحوثيون على البحر الأحمر وباب المندب؟

قالت 'نيويورك تايمز' إن التحقيق، الذي اعتمد على مقابلات مع أكثر من 15 شخصاً، بينهم مسؤولون وجنود، يسعى إلى إعادة بناء الكيفية التي تمكن بها الحوثيون من تحقيق تقدم عسكري سريع والسيطرة على مناطق استراتيجية في الساحل الغربي وصولاً إلى باب المندب، وهي التطورات التي أطلقت، بحسب التحقيق، سلسلة من الأحداث دفعت اليمن مجدداً نحو حرب واسعة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.