تقارير
ليلة سقوط الساحل الغربي... كيف سيطر الحوثيون على البحر الأحمر وباب المندب؟
كشفت صحيفة 'نيويورك تايمز' الأميركية، في تحقيق مطوّل أعده فريقها بعد أسابيع من التواصل مع مسؤولين عسكريين وحكوميين وجنود شاركوا في المعارك أو كانوا مطلعين على مجرياتها، أن سقوط مناطق واسعة من الساحل الغربي ومضيق باب المندب بيد مليشيا الحوثي في سبتمبر لم يكن حدثاً مفاجئاً أو بلا مؤشرات مسبقة، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة كانت قد حذرت السعودية، على مدى أشهر، من عودة التهديد الحوثي.
وقالت الصحيفة إن التحقيق، الذي اعتمد على مقابلات مع أكثر من 15 شخصاً، بينهم مسؤولون وجنود، يسعى إلى إعادة بناء الكيفية التي تمكن بها الحوثيون من تحقيق تقدم عسكري سريع والسيطرة على مناطق استراتيجية في الساحل الغربي وصولاً إلى باب المندب، وهي التطورات التي أطلقت، بحسب التحقيق، سلسلة من الأحداث دفعت اليمن مجدداً نحو حرب واسعة.
ووصفت معدّة التحقيق ما توصل إليه الفريق بأنه يحمل 'دروساً قاتمة' بشأن طبيعة المعارك المقبلة، في ظل التطور الذي طرأ على قدرات الحوثيين العسكرية والتكنولوجية، مقابل الانقسام الذي تعانيه القوات الحكومية اليمنية.
طلبات دعم من طارق صالح ومساندة أميركية وسعودية محدودة
وبحسب 'نيويورك تايمز'، أدرك طارق صالح، قائد القوات المنتشرة في الساحل الغربي، أن الحوثيين يسعون إلى السيطرة على الأراضي التي تسيطر عليها قواته بهدف الوصول إلى مضيق باب المندب، ولذلك طلب قبل بدء الهجوم دعماً عسكرياً من السعودية والولايات المتحدة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول حكومي يمني وضابطين عسكريين كبيرين قولهم إن صالح طلب من السعودية توفير غطاء جوي لقواته، فيما طلب من الولايات المتحدة استخدام قدراتها في الحرب الإلكترونية للتشويش على اتصالات الحوثيين. غير أن المصادر قالت إن الاستجابة التي تلقاها كانت محدودة.
كما نقل التحقيق عن مسؤولين أميركيين كبيرين ومسؤول أميركي كبير سابق أن الجيش وأجهزة الاستخبارات الأميركية حذرت السعودية على مدى أشهر من تنامي الخطر الحوثي، وحثت الرياض على العمل من أجل توحيد القوات الحكومية اليمنية، التي تعاني الانقسام وتعدد مراكز القرار.
وقدمت الولايات المتحدة، وفق الصحيفة، مساعدات في التخطيط ومعلومات استخبارية، من بينها معلومات حول تحركات القوات الحوثية، لكنها أوضحت أن دعمها سيكون محدوداً ولن يتضمن تنفيذ غارات جوية.
وقالت 'نيويورك تايمز' إن سبب عدم تدخل السعودية بقوة أكبر باستخدام طائراتها والأسلحة الأميركية التي بحوزتها 'ظل غير واضح'، مضيفة أن الحكومة السعودية والبيت الأبيض لم يردا على طلب الصحيفة التعليق على ما ورد في التحقيق.
كيف بدأ الهجوم على المخا؟
يعيد التحقيق بناء العمليات العسكرية التي سبقت سقوط الساحل الغربي، مشيراً إلى أن الحوثيين بدأوا في 9 أغسطس قصف مدينة المخا بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أدى إلى إلحاق أضرار بالميناء.
ونقلت الصحيفة عن مصادر عسكرية يمنية قولها إن الهدف من القصف كان السعي إلى قطع خط الإمداد البحري للمدينة، تمهيداً للهجوم البري الواسع.
وفي 3 سبتمبر، بدأ الهجوم البري، فيما قالت قوات طارق صالح إن الحوثيين دفعوا بنحو 80 ألف مقاتل، إلى جانب مستشارين إيرانيين. إلا أن 'نيويورك تايمز' أوضحت أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه المزاعم، بينما نفى المسؤول الحوثي محمد البخيتي وجود دعم إيراني للعملية.
الكدحة.. نقطة الاختراق الأولى
بحسب التحقيق، كانت منطقة الكدحة الجبلية إحدى أولى نقاط الاختراق الرئيسية في دفاعات القوات الحكومية.
وكانت المنطقة موزعة بين قوات طارق صالح وفصيل عسكري آخر، إلا أن أربعة مسؤولين حكوميين وعسكريين يمنيين قالوا للصحيفة إن قائدي القوتين لم تكن تجمعهما الثقة المتبادلة، ولم يتمكنا من تنسيق عملياتهما بصورة فعالة.
واستغل الحوثيون هذا الانقسام، وفق المصادر التي تحدثت إليها الصحيفة، للسيطرة على الكدحة والتقدم غرباً باتجاه الساحل.
وقالت 'نيويورك تايمز' إن القوات الحكومية تمكنت من الصمود لأكثر من خمسة أيام في الجبال المطلة على المخا، قبل أن يبدأ الحوثيون في تحقيق تقدم باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والقصف المدفعي.
ونقلت عن ضابطين يمنيين أن السعودية نفذت غارات جوية محدودة لمساعدة حلفائها، في وقت كانت فيه القوات الحكومية تواجه ضغطاً متزايداً على خطوطها الدفاعية.
انهيار القوات الحكومية خلال ليلة واحدة
وصل الهجوم إلى نقطة التحول مساء 9 سبتمبر وحتى صباح اليوم التالي، عندما انهارت القوات الحكومية بصورة سريعة، وفق روايات الجنود والمسؤولين الذين تحدثت إليهم الصحيفة.
وقال أحد الجنود إن وحدته كانت خارج المخا عندما بدأت تصلها تقارير عن تقدم الحوثيين من عدة اتجاهات، قبل أن تنقطع الاتصالات بصورة مفاجئة، ما أدى إلى فقدان الاتصال بالوحدات الأخرى.
وأضاف الجندي، وفق التحقيق، أن الجنود بدأوا يسمعون صيحات تطالب بالانسحاب بعدما تبين أن الحوثيين وصلوا بالفعل إلى مواقع متقدمة.
وفي تلك الأثناء، سيطر الحوثيون على معسكر عسكري رئيسي في منطقة السفوح شرقي المخا، الأمر الذي ترك القوات الحكومية المنتشرة في السهل الساحلي مكشوفة أمام الهجوم.
وبدلاً من إعادة تنظيم صفوفها، انسحبت القوات الحكومية باتجاه الجنوب حتى مدينة عدن.
1800 ميل مربع خلال ليلة واحدة
قالت 'نيويورك تايمز' إن نتيجة الانهيار كانت سيطرة الحوثيين خلال ليلة واحدة على نحو 1800 ميل مربع من الأراضي، بما في ذلك كامل ساحل البحر الأحمر الذي كانت تسيطر عليه تلك القوات، إضافة إلى جزيرة تقع داخل مضيق باب المندب.
ووفق بيان لقوات طارق صالح نقلته الصحيفة، قُتل ما لا يقل عن 500 من مقاتليها وأصيب أكثر من 1500 آخرين، فيما لم تكن خسائر الحوثيين معروفة.
وتنقل الصحيفة عن أحد الجنود الحكوميين وصفه للحظات الانسحاب، قائلاً إنه أخفى كل ما يدل على صفته العسكرية وألقى بندقيته في أحد الأودية، قبل أن يعود إلى أسرته ويمنحها 15 دقيقة فقط للمغادرة.
وأضاف الجندي أن أفراداً من القوات الحكومية شاهدوا المدرعات وهي تنسحب من الجبهة 'مسرعة بجانبنا كالرصاص'.
طارق صالح يتوجه إلى الرياض وإعادة تجميع القوات
بعد سقوط المخا، توجه طارق صالح وعدد من رفاقه إلى الرياض، بحسب مسؤول حكومي وضابطين نقلت عنهم الصحيفة.
وقال ضابط مقرب من صالح إن الأولوية في تلك المرحلة أصبحت إعادة تجميع القوات ومعالجة الجرحى، على أن يجري لاحقاً فتح تحقيق لمعرفة أسباب الانهيار العسكري السريع.
لكن الانقسام داخل المعسكر الحكومي لم ينتهِ بسقوط الجبهة، إذ قال التحقيق إن بعض مقاتلي طارق صالح مُنعوا من دخول عدن على أيدي مقاتلين من فصائل يفترض أنها حليفة لهم.
ونقلت الصحيفة عن أحد الجنود، الذي كان يتحدث من مخيم مؤقت خارج المدينة، أنه ورفاقه ظلوا أياماً من دون طعام.
هدنة 2022 عززت قدرات الحوثيين
تعود 'نيويورك تايمز' في تحقيقها إلى الأشهر التي سبقت الهجوم، معتبرة أن الهدنة التي بدأت في اليمن عام 2022 وفرت للحوثيين فرصة لتعزيز قدراتهم العسكرية وتوسيع ترسانتهم وزيادة اعتمادهم على إمكاناتهم الذاتية، وفق ما نقله التحقيق عن محللين.
وفي المقابل، تقول الصحيفة إن الحكومة اليمنية لم تحقق تطوراً مماثلاً، وظلت تعاني من الانقسام بين قوى مرتبطة بالسعودية وأخرى مرتبطة بالإمارات.
وكان طارق صالح يقود، وفق التحقيق، قوة يبلغ قوامها نحو 50 ألف مقاتل، شكلت حاجزاً أمام تقدم الحوثيين جنوباً باتجاه باب المندب.
وكانت قوات صالح تعتمد في السابق على دعم الإمارات، لكن أبوظبي انسحبت من اليمن في يناير في ظل خلافات مع السعودية، قبل أن تعزز الرياض نفوذها على الفصائل الحكومية وتصبح الراعي الجديد لقوات صالح.
انقسامات المعسكر الحكومي
ينقل التحقيق عن غريغوري جونسن، الباحث في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، وصفه للحكومة اليمنية بأنها أصبحت عملياً 'خيالاً'، مشيراً إلى أن مكوناتها تقضي وقتاً أطول في قتال بعضها بعضاً مقارنة بقتال الحوثيين.
وتقدم الصحيفة هذا التقييم في سياق حديثها عن الانقسامات داخل القوات المناهضة للحوثيين، والتي تقول إنها انعكست بصورة مباشرة على قدرتها على مواجهة الهجوم الحوثي.
وترى 'نيويورك تايمز' أن المفارقة الأساسية التي كشفها الهجوم تتمثل في أن الحوثيين دخلوا المعركة بقدرات عسكرية وتكنولوجية متطورة نسبياً، في حين واجه خصومهم مشكلة الانقسام وضعف التنسيق ونقص الدعم الذي طلبوه من حلفائهم الخارجيين.
من الحرب مع إيران إلى عودة التصعيد في اليمن
وبحسب الصحيفة، فإن التطورات الإقليمية ساهمت أيضاً في إعادة تشكيل المشهد اليمني.
ومع اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في فبراير، بدا الحوثيون في البداية مستعدين للبقاء خارج المواجهة، إلا أن محادثات السلام اليمنية كانت قد وصلت إلى طريق مسدود.
وكان الحوثيون يأملون، وفق التحقيق، في الحصول من خلال التسوية السياسية على نفوذ أكبر وإمكانية الوصول إلى عائدات النفط، في وقت كانت فيه مناطق سيطرتهم تعاني مستويات مرتفعة من الفقر.
كما ألقت الجماعة باللوم على السعودية في القيود المفروضة على المجال الجوي اليمني، ورفضت ما اعتبرته تدخلاً سعودياً في حركة الطيران.
وفي يوليو، اتهم الحوثيون السعودية بقصف مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، قبل أن يعلنوا حصاراً على الملاحة السعودية في البحر الأحمر، ويطلقوا صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه الأراضي السعودية، فيما ردت المملكة بشن غارات في اليمن.
السعودية تعود إلى القصف لمساندة القوات الحكومية
ومع اتساع نطاق التصعيد، بدأت السعودية هذا الأسبوع حملة قصف لمساندة القوات الحكومية اليمنية في محاولة لاستعادة المناطق التي فقدتها، وفق ما أوردته 'نيويورك تايمز'.
وقالت الصحيفة إن الولايات المتحدة قدمت بدورها دعماً استخبارياً ومساعدة في تحديد الأهداف خلال الحملة.
وبحلول الثلاثاء، أعلنت القوات الحكومية أنها حققت مكاسب كبيرة وأنها حاصرت مقاتلين حوثيين يسيطرون على المضيق.
غير أن 'نيويورك تايمز' قالت إن من السابق لأوانه معرفة ما إذا كانت هذه المكاسب ستصمد، أو إلى أي مدى يمكن للقوات الحكومية أن تتقدم في حال استمرار العمليات.
تحقيق يكشف ثغرات ما قبل سقوط باب المندب
وخلصت الصحيفة إلى أن سقوط الساحل الغربي وباب المندب لم يكن، وفق ما أعادت بناءه من شهادات مسؤولين وجنود، مجرد نتيجة لهجوم عسكري مفاجئ، وإنما نتاج تزامن عاملين رئيسيين: تطور القدرات العسكرية والتكنولوجية للحوثيين من جهة، والانقسام والضعف داخل القوات الحكومية من جهة أخرى.
وترى الصحيفة أن عدم حصول القوات الحكومية على الدعم الخارجي الذي طلبته قبل الهجوم، إلى جانب غياب التنسيق بين الفصائل، ساهم في تسريع الانهيار الذي وقع خلال ساعات.
وبحسب التحقيق، فإن السيطرة الحوثية السريعة على الساحل ومواقع استراتيجية في باب المندب لم تكن نهاية المعركة، بل كانت الشرارة التي أطلقت سلسلة من التطورات العسكرية والسياسية التي أعادت اليمن إلى دائرة حرب واسعة، فيما لا تزال نتائج الحملة السعودية الجديدة ومحاولة القوات الحكومية استعادة المناطق التي خسرتها غير محسومة.