تقارير
السعودية تواجه مستوى جديداً من الخطر في هجمات الحوثيين وسط حرب إيرانية أوسع نطاقاً
تصاعدت أعمدة الدخان فوق المطار، ودوت انفجارات في العاصمة السعودية الرياض هذا الأسبوع، مع تعرض المملكة لبعض من أعنف الهجمات التي شهدتها منذ سنوات، شنّها الحوثيون المدعومون من إيران.
ويؤدي تصاعد الصراع بين الحوثيين والسعودية إلى مزيد من الاضطراب في أسواق الطاقة، ويهدد بجرّ دول أخرى إلى القتال في منطقة تعاني أصلاً من حروب متداخلة، في وقت لا تزال فيه المساعي الأميركية للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب مع إيران متعثرة.
ويشكّل اتساع نطاق العنف تحدياً لإدارة الرئيس دونالد ترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في نوفمبر، التي تواجه بالفعل ضغوطاً كافية على أسعار النفط، بحسب أبريل لونغلي آلي، الباحثة البارزة في معهد واشنطن، وهو مركز أبحاث.
وقالت آلي: "كانت إدارة ترامب تريد احتواء الصراع قدر الإمكان، وإبقاء الوضع تحت السيطرة، لكن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة بالفعل".
وخاض الحوثيون، الذين يتلقون التدريب والدعم من إيران، حرباً أهلية لسنوات ضد الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من اليمنيين.
ووافقت السعودية عام 2022، التي كانت تسعى إلى تحسين صورتها الدولية، على هدنة أبقت الحوثيين مسيطرين على أجزاء واسعة من شمال اليمن، والحكومة المدعومة من الرياض مسيطرة على الجنوب، لكن الحوثيين أبدوا خلال السنوات الأخيرة استياءً متزايداً مما يصفونه بأنه حصار سعودي على المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
وشنّ الحوثيون الشهر الماضي هجوماً برياً مباغتاً للسيطرة على الساحل الغربي لليمن المطل على البحر الأحمر، بمحاذاة مضيق باب المندب، وهو ممر مائي حيوي للتجارة البحرية العالمية، ويُعد طريقاً بديلاً لمضيق هرمز.
وقال الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، في مقابلة إن هجوم الحوثيين دفع السعودية إلى تغيير سياستها.
وأضاف: "لطالما كان ضبط النفس سمة مميزة للسياسة السعودية وتحركاتها عبر التاريخ، منذ عهد الملك عبد العزيز. لكن سياسة ضبط النفس لم تعد قابلة للتطبيق".
وبدأت القوات اليمنية المدعومة من السعودية بعد أيام، هجوماً مضاداً، وأعلنت يوم الأحد إطلاق عملية لطرد الحوثيين من اليمن، استُهلت بموجات من الغارات الجوية.
وردّ الحوثيون بشن هجمات على المطارات ومنشآت الطاقة في السعودية، بما في ذلك مصافي النفط.
ومع تكثيف إيران هجماتها على السفن في مضيق هرمز، مما أدى إلى تقليص كميات النفط التي تمر عبره، تزداد أهمية الهجمات الحوثية على البنية التحتية السعودية، إلى جانب استمرار محاولات فرض حصار على الموانئ السعودية، التي استُخدم بعضها طرقاً بديلة لمضيق هرمز، بحسب آلي.
وقال بريت إريكسون، مستشار المخاطر الذي يتابع أسواق النفط والغاز عن كثب: "يستطيع الحوثيون توجيه ضربات إلى عمق الأراضي السعودية، وهم يفعلون ذلك بالفعل، مستهدفين بنية تحتية حيوية للطاقة"، وأضاف: "في المقابل، يمتلك الحوثيون بنية تحتية أقل قيمة يمكن استهدافها، ولذلك سيواصلون إحداث اضطرابات كبيرة في السوق".
وأوضح إريكسون أن الحوثيين أعلنوا مسؤوليتهم عن ضربات استهدفت مصافي النفط في رابغ والرياض وينبع، وهي منشآت حيوية لإنتاج الديزل والبنزين ووقود الطائرات، التي لا تزال أسعارها مرتفعة بشدة.
وقال المتحدث باسم الحوثيين نصر الدين عامر لصحيفة واشنطن بوست إن السعودية "جلبت هذا التصعيد على نفسها"، برفضها الاستجابة لمطالب الحوثيين، بما فيها رفع ما تصفه الجماعة بالحصار الذي تقوده السعودية على اليمن.
وبحسب محللين ومسؤولين أميركيين، تتلقى السعودية دعماً استخباراتياً من الولايات المتحدة، لكن إدارة ترامب امتنعت حتى الآن عن تقديم مستوى الدعم الذي طلبه مسؤولون سعوديون وحلفاؤهم في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
وتعتمد السعودية على شركاء آخرين للحصول على الدعم، من بينهم باكستان وتركيا، اللتان أبرمت معهما اتفاقاً دفاعياً في أغسطس الماضي، لكن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال إن التحالف "ذو طبيعة دفاعية"، وإن بلاده لن تنفذ عمليات عسكرية في اليمن.
وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في بيان الجمعة، إن باكستان ستقف "كتفاً إلى كتف" مع السعودية في الدفاع عنها، وأكدت إسلام آباد أن دعمها العسكري ذو طابع دفاعي، لكنها لم توضح النطاق الكامل للمساعدة التي تقدمها.
وقال علي الشهابي، الكاتب والمحلل السعودي المطلع على توجهات الحكومة السعودية، إن المملكة تقدّر المساعدة التي تقدمها الولايات المتحدة، ولا سيما المعلومات الآنية عن الأهداف التي تُستخدم في شن ضربات على الحوثيين، لكنها تتمنى أن تفعل واشنطن المزيد.
وأضاف، في إشارة إلى مضيق باب المندب: "هناك جماعة مسلحة غير حكومية تسيطر على ممر مائي دولي رئيسي، ومن غير المعقول أن تكون الولايات المتحدة قد سمحت بحدوث ذلك في الماضي".
لكن الشهابي أشار أيضاً إلى أن السعودية لا تنتظر المساعدة الأميركية، وتسعى إلى تعزيز تعاونها مع أعضاء تحالف مكة، وقال: "نحن ندرك أن على كل دولة أن تتحمل مسؤولية نفسها".
وحقق التحالف المدعوم من السعودية تقدماً أولياً هذا الأسبوع في استعادة مناطق على الساحل الغربي لليمن كان الحوثيون قد سيطروا عليها مؤخراً.
لكن ميزان القوى بدا وكأنه تغيّر مجدداً خلال الأيام الماضية، مع تهديد الحوثيين بالسيطرة على مدينة تعز الاستراتيجية في اليمن، وتكرار هجماتهم على مطار الرياض، مما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص، بحسب مسؤولين سعوديين.
وقال آدم بارون، الباحث في مركز (نيو أميركا) للأبحاث في واشنطن، إن السعودية، مع متابعتها تقدم الحوثيين خلال سبتمبر، أدركت أنها وصلت إلى لحظة حاسمة لا تحتمل التراجع.
وأضاف: "شعرت السعودية أن أمامها خيارين: إما القبول بسيطرة الحوثيين على اليمن، أو المضي في شن هجوم عسكري. ولذلك اختارت الهجوم"، وتابع أن الطرفين أصبحا الآن "على سلّم التصعيد".
ويتسارع تصاعد الصراع بين السعودية والحوثيين، وهو صراع "يشكل تهديداً وجودياً للسعودية، بل ويتجاوزها إلى دول أخرى"، بحسب تيم ليندركينغ، الذي شغل منصب المبعوث الأميركي إلى اليمن في عهد الرئيس جو بايدن.
وقال ليندركينغ: "الحوثيون لا يمكن التنبؤ بتصرفاتهم، وهم مجهزون جيداً ويمتلكون ترسانة كبيرة من الأسلحة".
وأضاف: "يتبنون رؤية ذات طابع ديني خلاصي، إذ يعتقدون أنهم يؤدون مهمة إلهية لفرض سلطتهم في اليمن وخارجه، بما في ذلك السعودية".
ومن المرجح أن تؤثر الهجمات الأخيرة على قطاع السياحة في المملكة، الذي يمثل ركيزة أساسية في استراتيجيتها لتنويع الاقتصاد.
وقال توبي ماثيسن، الأستاذ الجامعي والخبير في شؤون الخليج بجامعة بريستول: "انفتحت السعودية كثيراً على العالم، وزارها عدد أكبر بكثير من الناس خلال السنوات القليلة الماضية. وإذا استمرت الهجمات، فستصبح مشكلة كبيرة".
وتسعى السعودية، ضمن خططها الاقتصادية، إلى تحويل المملكة إلى وجهة سياحية عالمية تتجاوز السياحة الدينية المرتبطة بزيارة أقدس المواقع الإسلامية.
لكن الحروب في الشرق الأوسط أدت حتى الآن إلى تأجيل مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، الذي يستقطب نجوماً عالميين، وسباق «فورمولا 1» في السعودية.
وقال أميركي مقيم في الرياض، طلب عدم الكشف عن هويته بسبب القوانين السعودية الصارمة المتعلقة بنشر المعلومات الحساسة، إنه استيقظ في إحدى ساعات الليل، خلال كل ليلة من الليالي الخمس الماضية، على أصوات انفجارات أو عمليات اعتراض.
ولا تعلن السلطات للجمهور معلومات عن الضربات، كما تحظر القوانين السعودية تصوير المواقع التي تعرضت للقصف.
وأضاف المقيم الأميركي: "ثم تذهب إلى عملك وتتصرف وكأن شيئاً لم يحدث"، وتابع: "الأمر يكاد يكون أسوأ، لأن أحداً لا يعرف ما الذي يجري".