مقالات

محمد الروح الواقفة

17/11/2025, 06:50:50

محمد المياحي مقيد الجسد في حجرة مظلمة، لكنه صار تجربة شاملة للوجود ذاته، تجربة تتجاوز قيود السجن الماثل أمامه. أسوار الحوثية وسجنها لا تستطيع أن تمحو جوهر محمد، أو أن تحجب روحا تعرف أنها أكبر من السجن وأكبر من السلالة التي وضعته فيه. 

وجود محمد ذاته، حتى وهو في السجن، يهز الحوثية، يزعجها أن هناك من يقف أمامها، صامدًا، غير مكسور، غير مذعن. تريد أن تنزع منه داخله الحقيقي وتحيله إلى مجرد انعكاس لها. لكنها عاجزة عن انتزاع محمد من نفسه،  ويظل هو واقفًا، لا يبرح من قناعاته وكرامته، وكأن سكونه العميق في سجن الحوثية يفضح هشاشة هيمنتها.

تريد السلالة المعزولة محو المياحي من العالم، وانتزاع قدرته على خلق معنى مختلف. لا يكفيها أن يخضع جسده، كونها لا ترضى بمجرد تمثيل الخضوع. تريد تذويب الروح ومحو كل شيء حقيقي بداخلك، حتى تظل أنت مجرد امتداد لها. تريد الحوثية أن تسيطر على السريرة والتفكير وأن تفرض معنى لحياتنا مطابقا لرؤيتها وهويتها المنبوذة. 

لدى محمد من الروح وخلق المعنى ما يحيل السجن إلى حيث يصبح تجربة ومدرسة لفهم السلالة ومشروعها، ولتشريح قواها. تمديد فترة سجنه يعكس عجز الحوثية عن انتزاع ما تريده منه. عجزت تماماً عن كسر محمد في السجن الذي أصبح تجربة أخرى لمقاومتها ولفهم آلية هيمنتها.

قمعها ـ الحوثيةـ شديد، وهيمنتها العسكرية تبدو متينة، لكنها هشة، إذ يكفي وجود روح حرّة واحدة لتبدأ بنيتها المغلقة بالاهتزاز. المياحي موجود، يخلق معنى مختلفًا، ويُظهر أن كل محاولة حوثية للسيطرة على الإنسان من الداخل قابلة للفشل والعجز. بنيتها تقوم على محو كل وجود آخر، محو القدرة على التخييل والتفكير، وحين يظهر من يختلق معنىً خارج هيمنتها، تبدأ هذه البنية بالاهتزاز و"الإنهيلر"، حتى لو لم تلاحظ ذلك بوضوح.

يُظهر المياحي أن اكتمال القوة ورسوخها يحتاج لما هو أكثر من السيطرة العسكرية والمادية. توتر الحوثية يبدو واضحا أمام سكون محمد واستقلاليته الداخلية وقدرته على الوقوف صامدا أمام هيمنتها.  

تظهر الحوثية عاجزة أمام كل إنسان يعرف قيمة ذاته الداخلية ويرفض تعريف نفسه من الخارج. محمد وهو في سجن الحوثية يحتقرها، وينتج منعة خارج إرادة القهر ويصنع حريته الأخيرة في الداخل. 

الإمامة تنهج سياسة الاختطاف والإخفاء بوصفها محاولة لإلغاء المواطن كشخصية مرئية وفاعلة، ولإلغاء قدرته على التفكير والكلام والفعل بين الناس. إنها أداة سلالية لإزالة الإنسان من العالم وجعله بلا حضور وبلا ذاكرة. 

تراهن الحوثية على الفصل التام بينك أنت والآخرين والعالم، لتخلق فراغًا داخليًا تستطيع التحكم فيه. تحاول بث الخوف وتدمير الثقة بين الناس، وتعطيل القدرة على اتخاذ موقف، ليصبح أي صمود معنوي صعبًا، غير متوقع، مهددًا لهيمنة السلالة التي تريد السيطرة التامة. المياحي يعرف تماماً أن هذا ما تريده السلالة، وأن مقاومته تبدأ داخليًا قبل أن تكون مرئية وعلنية وصاخبة.

تبدأ الحرية في الداخل. فيكتور فرانكل ـ في كتابه  الإنسان والبحث عن معنى ـ يصف "الحرية الأخيرة" بأنها حرية اختيار الموقف الداخلي، التي لا يستطيع أي جلاد أو نظام فاشٍِ نزعها. الألم، والعزلة، تجارب تكشف قدرة الإنسان على مقاومة داخله، على تفسير ما يحدث له، وإلى خلق معنى من داخل الألم. يصبح الاختطاف اختبارًا للروح، ولإعادة اكتشاف الذات وحماية الكرامة الإنسانية.

مقالات

هذا ما يمكن أن تقرأه عندما "تفتش" في عقل ترمب

قد يجد المتابع طريقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للحرب ضد إيران نفسه مربكا بين ما يريده ترمب بالفعل، وبين سيل التصريحات المتدفقة التي تعبر عن شخصيته النرجسية واعتداده بذاته، أو تلك التي تعبر عن عقلية التاجر الذي يمارس كافة أشكال المناورة، ورفع الأسعار وسياسة حافة الهاوية، أو تلك التي يرغب من خلالها أن يظل هو "مركز الحدث"، والعنصر المحرك في الإعلام؛ حتى لو اقتضى ذلك "ماكينة" لا تتوقف عن التصريحات المضللة.

مقالات

شهادة حول الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي

لم أكن قد التقيت به أثناء زياراتي لعدن، إذ كان العقيد عبد ربه منصور هادي من الصف الثاني في قيادة شطرنا الجنوبي، كان ضابطاً وقائداً محترفاً مؤهلاً في الجيش، إذ التحق به أثناء الاستعمار البريطاني، وتلقى دراسته العسكرية في بريطانيا، زميلاً للعقيد معمر القذافي، ثم في مصر، وأخيراً في الاتحاد السوفييتي

مقالات

المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر

حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.

مقالات

رئيس في دولة استعصت على الحكم

تولى هادي السلطة في لحظة انتقالية شديدة الهشاشة، خرجت من بنية دولة مثقلة بالصراع ومراكز القوى المتراكمة، ثم انفتحت على فضاء إقليمي ودولي لم يعد فيه القرار اليمني قرارًا مستقلًا بالكامل. ومن هنا، يصبح اختزال تجربته في ثنائية “نجح” أو “فشل” تبسيطًا مخلًا، لأن قواعد اللعبة السياسية نفسها كانت قد انهارت أو تشوّهت منذ البداية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.