تقارير
من مسقط إلى صنعاء والرياض.. محطات التفاوض السعودي الحوثي بين مساعي السلام وتجدد التصعيد
كشف الناطق الرسمي باسم جماعة الحوثي، محمد عبدالسلام، عن لقاءات "مباشرة وغير مباشرة" جرت مؤخرًا مع الجانب السعودي قبل التصعيد العسكري الأخير بين الجانبين، في يوليو الماضي عقب أزمة "الطائرة الإيرانية" التي هبطت في مطار صنعاء وأقلت وفد الجماعة للمشاركة في مراسم تشييع مرشد ايران، علي خامنئي، في طهران.
وظلت مسقط، العاصمة العمانية، منذ عام 2015، المقر الأساسي للقاءات المباشرة وغير المباشرة بين مسؤولين سعوديين وقيادة الوفد التفاوضي للجماعة برئاسة محمد عبد السلام. واستمرت هذه القنوات الخلفية في إدارة ملفات التهدئة وتبادل الرسائل الأمنية، وصولاً إلى محاولات حثيثة جرت أواخر عام 2025 وخلال عام 2026 لتثبيت "خارطة الطريق" واحتواء الاشتعال الميداني.
وقال عبدالسلام في بيان، إن جماعته قدمت للجانب السعودي مقترحات لتنفيذ ما تم التوافق عليه في 'خارطة الطريق' التي أعلنت في ابريل 2023 "من دون تحقيق تقدم"، وفق تعبيره.
وتتضمن بنود "خارطة الطريق" بندًا عن المرتبات، تتكفل السعودية بدفعها لكل الموظفين والجنود في كافة أنحاء اليمن لمدة 6 شهور، (150 مليون دولار شهريًا)، فضلا عن رفع القيود على مطارات وموانئ الحوثيين، وإعادة الإعمار، وخروج القوات الأجنبية من البلاد
وأوضح عبدالسلام، أن سلطنة عُمان نقلت، بعد بدء الجماعة عملياتها ضد السعودية، مقترحات للتهدئة، من بينها وقف التصعيد خمسة أيام لإجراء مفاوضات في أجواء هادئة. وقال إن الجماعة ردت بالموافقة خلال ثلاثة أيام، وربطت ذلك باستجابة الجانب السعودي للمطالب الإنسانية، إلا أن الرد السعودي لم يصل "إلا بعد نحو 21 يوماً من تقديم موقف الجماعة"، أن التأخير يهدف إلى كسب الوقت، وأن الشروط الإضافية لا تعكس جدية في التوصل إلى تسوية.
استمرار قنوات الاتصال
وفي المقابل أكد نائب وزير الخارجية السعودي للدبلوماسية العامة، رائد كرملي، في تصريحات نقلتها وكالة "أسوشيتد برس" الامريكية في 15 أكتوبر الماضي، استمرار قنوات الاتصال المباشر مع الحوثيين، رغم التصعيد العسكري والهجمات التي طالت مطار الرياض ومنشآت النفط ومرافق حيوية داخل المملكة.
وقال كرملي، إن الرياض لا تزال تحتفظ بقنوات اتصال مع الحوثيين، وإن سلطنة عُمان تسهّل هذه الاتصالات، من دون أن تؤدي، دور الوسيط بين الطرفين.
وأوضح كرملي أن المملكة دعت الحوثيين في يوليو الماضي إلى عقد اجتماع في سلطنة عُمان لمناقشة الخلافات العالقة ووضع حد للتصعيد، لكن الجماعة رفضت المشاركة، بحسب الرواية السعودية. ولم تتضمن التصريحات المنشورة ردًا حوثيًا مباشرًا على هذه الرواية.
وفد سعودي في صنعاء
وتأتي هذه التطورات ضمن سياق مسار تفاوضي طويل، عبر قنوات خلفية، قبل أن تنتقل على لقاءات مباشرة، خلال الفترة من 9 إلى 13 أبريل 2023، حين زار السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر العاصمة صنعاء رفقة وفد عماني، وعقد لقاءات مباشرة في القصر الرئاسي مع مهدي المشاط، تركزت حينها على ترتيبات الهدنة الشاملة، وصرف المرتبات، وفتح الموانئ والمطارات، وبحث سبل الحوار للتوصل إلى حل سياسي شامل ومستدام في اليمن برعاية أممية.
ووصفت "واس" مخرجات النقاشات التي جرت في صنعاء بين الوفد السعودي وجماعة الحوثي بأنه " اتسمت بالشفافية والأجواء التفاؤلية والإيجابية".
ولم يتم خلال زيارة الوفد السعودي برئاسة السفير محمد آل جابر، التوقيع على اتفاق نهائي شامل فوراً، واتفق الطرفان على استكمال اللقاءات والمشاورات "في أقرب وقت" لبحث الملفات العالقة مثل الملف الإنساني، دفع الرواتب، فتح الموانئ ومطار صنعاء، وجدول انسحاب القوات.
وفد حوثي في الرياض
واستكمالاً لجولة صنعاء، استضافت الرياض في الفترة من 14 إلى 19 سبتمبر 2023 وفداً حوثياً برئاسة محمد عبد السلام، حيث التقى الوفد بوزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان في 20 سبتمبر 2023 لبحث الخيارات الكفيلة بتجاوز النقاط الخلافية وصياغة اتفاق دائم للسلام تحت رعاية أممية.
وأكد الأمير خالد بن سلمان خلال اللقاء، وقوف المملكة مع اليمن وشعبه، وحرصها على تشجيع الأطراف اليمنية للجلوس على طاولة الحوار للتوصل إلى حل سياسي شامل ودائم تحت إشراف الأمم المتحدة.
وجرت خلال اللقاء مناقشة خيارات وبدائل لتجاوز قضايا الخلاف في المفاوضات السابقة، بهدف التوصل إلى خارطة طريق لدعم مسار السلام في اليمن بجهود مساندة من سلطنة عُمان.
كما ناقش الوفد مع الجانب السعودي بعض الأفكار المتعلقة بمعالجة الوضع الإنساني وسرعة صرف المرتبات، حيث عاد الوفد بعدها إلى صنعاء للتشاور مع القيادة بشأن تلك النقاشات.
وكانت الاتصالات المبكرة في ظهران الجنوب ومناطق حدودية أخرى، خلال مراحل النزاع الأولى كتهدئة عام 2016، بمثابة تمهيد عملي فتح المجال لاحقاً لدخول ملفات السياسة والاقتصاد والرواتب على خط التفاوض برعاية مسقط والأمم المتحدة.
ويرى مراقبون أنه مع عودة خيار القصف والهجمات المتبادلة، إلى الواجهة، تتراجع فرص استئناف المشاورات مع تمسك كل طرف بشروطه المعلنة؛ إذ تشترط الرياض وقف الهجمات واحترام الالتزامات الأمنية قبل أي بحث في المساعدات الاقتصادية، بينما يصر الحوثيون على البدء بملف المرتبات والمنافذ كشرط لأي تهدئة جديدة.
وحذر السفير الأميركي السابق لدى السعودية والباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، مايكل راتني، في تصريح لصحيفة "وول ستريت جورنال" من أن الرياض ستحتاج في نهاية المطاف إلى إيجاد مخرج سياسي من الحرب.
ورأى مايكل راتني، أن الحوثيين يمتلكون قدرة على التكيف وتنفيذ هجمات غير متماثلة تسبب أضراراً كبيرة، ما يجعل الاعتماد على الضغط العسكري وحده خياراً صعب الاستمرار.