تقارير
دراسة أمريكية تكشف آثارا خفية لضربات المسيرات في اليمن: نزوح وخوف يتجاوزان مواقع القصف
كشفت دراسة أكاديمية أمريكية جديدة أن الضربات التي نفذتها الطائرات الأمريكية المسيّرة في اليمن خلال السنوات الأولى من حملة مكافحة الإرهاب لم تقتصر آثارها على استهداف عناصر الجماعات المسلحة، بل تسببت أيضاً في موجات نزوح واسعة واضطرابات اجتماعية ونفسية امتدت إلى ما هو أبعد من مواقع الاستهداف المباشر.
واعتمدت الدراسة، التي نشرها موقع "الحروب غير النظامية"، على تحليل بيانات لأكثر من 12 مليار سجل اتصالات هاتفية في اليمن، لرصد تأثير 74 ضربة أمريكية نُفذت بين عامي 2010 و2012 في مناطق مأهولة بالسكان.
وخلص الباحثون إلى أن الضربات الجوية التي وُصفت لسنوات بأنها عالية الدقة وذات أضرار جانبية محدودة، أحدثت تغييرات ملموسة في سلوك المدنيين حتى في الحالات التي لم تُسجل فيها خسائر بشرية بين السكان.
وأظهرت النتائج أن سكان المناطق القريبة من مواقع الاستهداف زادوا من تحركاتهم بنسبة 24 بالمئة في يوم الضربة مقارنة باليوم السابق، فيما غادر نحو 5 بالمئة من السكان مناطقهم خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى. كما بيّنت الدراسة أن أكثر من خُمس النازحين ظلوا بعيدين عن مناطقهم الأصلية لمدة لا تقل عن شهر.
واستشهدت الدراسة بضربة نُفذت قرب مدينة جعار بمحافظة أبين في مارس/آذار 2012، وأسفرت عن مقتل 18 عنصراً من تنظيم القاعدة دون تسجيل ضحايا مدنيين. ورغم ذلك، أظهرت بيانات الاتصالات أن نحو واحد من كل عشرين مدنياً غادر المنطقة خلال يوم واحد من وقوع الضربة.
كما كشفت الدراسة عن تأثيرات واسعة على أنماط التواصل الاجتماعي، إذ ارتفع حجم الاتصالات الهاتفية داخل المناطق المتأثرة بنسبة 75 بالمئة خلال الدقائق العشر الأولى بعد الضربة، فيما تضاعف تقريباً عدد المكالمات الصادرة من الأشخاص الذين تلقوا اتصالات من سكان المناطق المستهدفة.
ورجّح الباحثون أن هذه التأثيرات تعود إلى ما وصفوه بـ"الخوف الاستباقي"، المرتبط بإمكانية تكرار الهجمات المفاجئة بواسطة الطائرات المسيّرة، ما يدفع السكان إلى مغادرة المناطق المستهدفة خشية التعرض لضربات لاحقة.
وأكدت الدراسة أن النقاش حول فعالية الطائرات المسيّرة ركّز طويلاً على حصيلة القتلى والخسائر المباشرة، بينما جرى تجاهل الآثار غير المباشرة المتمثلة في النزوح والاضطرابات الاجتماعية وتراجع الشعور بالأمان بين المدنيين.
وأضافت أن الضربات التي لم تسفر عن سقوط ضحايا مدنيين تسببت أيضاً في مستويات مرتفعة من الخوف والنزوح، ما يشير إلى أن آثارها السلبية لا ترتبط فقط بالخسائر البشرية المباشرة.
ورأت الدراسة أن هذه النتائج قد تساعد في تفسير استمرار المشاعر السلبية تجاه الولايات المتحدة داخل اليمن، رغم تراجع أعداد الضحايا المدنيين خلال بعض مراحل حملة الطائرات المسيّرة، مشيرة إلى أن التأثيرات الإنسانية والنفسية غير المباشرة ربما لعبت دوراً مهماً في تشكيل هذه المواقف.
وحذرت من أن النجاحات التكتيكية التي تحققها الضربات الجوية ضد قادة وعناصر الجماعات المسلحة قد تقابلها تكاليف استراتيجية طويلة الأمد، تتمثل في تنامي مشاعر الخوف والسخط لدى السكان المحليين.
ودعت الدراسة صناع القرار إلى إدراج آثار النزوح والاضطرابات الاجتماعية والنفسية ضمن معايير تقييم العمليات العسكرية، وعدم الاكتفاء بقياس الخسائر البشرية أو المادية المباشرة.
وخلصت إلى أن تجربة اليمن تُظهر أن دقة السلاح لا تعني بالضرورة محدودية تأثيره على المجتمع، وأن التداعيات الإنسانية والسياسية غير المباشرة للطائرات المسيّرة قد تكون أوسع بكثير مما كان يُعتقد سابقاً.