تقارير
اليمن بين الانقسام الداخلي والتصعيد الإقليمي.. مخاطر متزايدة تهدد الأمن الدولي
كشف تقرير تحليلي حديث صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي (CRS) أن اليمن يقف اليوم أمام مرحلة شديدة التعقيد، في ظل استمرار الانقسام السياسي والعسكري، وتصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، إلى جانب التدهور الاقتصادي والإنساني المتسارع.
وبحسب التقرير، فإن جماعة الحوثي، المصنفة منظمة إرهابية أجنبية من قبل الولايات المتحدة، ما تزال تفرض سيطرتها على العاصمة صنعاء ومعظم مناطق شمال وغرب اليمن، حيث تتركز الكثافة السكانية الأكبر في البلاد، بينما تواصل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا العمل من مناطق متفرقة بدعم سعودي، وسط ضعف واضح في مؤسسات الدولة وتعدد مراكز النفوذ العسكري والسياسي.
وأشار التقرير إلى أن مجلس القيادة الرئاسي، الذي أُنشئ في عام 2022 لتوحيد القوى المناهضة للحوثيين، يواجه تحديات كبيرة بعد تفجر الخلافات مع المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، والذي تم إقصاء قياداته من المجلس مطلع عام 2026 عقب مواجهات عسكرية وتدخل سعودي مباشر لوقف تحركات الانتقالي جنوب البلاد.
ورأى التقرير أن الخلافات بين السعودية والإمارات حول مستقبل اليمن أصبحت أكثر وضوحًا خلال الأشهر الماضية، خاصة بعد دعم أبوظبي لتحركات المجلس الانتقالي الجنوبي للسيطرة على مناطق واسعة في الجنوب والشرق.
وأوضح أن السعودية تدخلت عسكريًا نهاية عام 2025 عبر غارات استهدفت مواقع تابعة لقوات موالية للانتقالي، ما أدى لاحقًا إلى انسحاب الإمارات تدريجيًا من اليمن، مقابل توسع النفوذ السعودي داخل مؤسسات الحكومة اليمنية والقوات العسكرية التابعة لها.
كما لفت التقرير إلى أن الرياض تحاول حاليًا إعادة توحيد الفصائل المناهضة للحوثيين، عبر تشكيل هياكل عسكرية جديدة وتقديم دعم مالي واسع للحكومة، إلا أن الانقسامات الجنوبية ما تزال قائمة، مع استمرار المطالبات بالانفصال وحق تقرير المصير.
-البحر الأحمر.. ورقة ضغط حوثية مستمرة
وأكد التقرير أن الحوثيين نجحوا بين عامي 2023 و2025 في فرض أنفسهم كقوة إقليمية مؤثرة عبر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر، إضافة إلى مئات الهجمات بعيدة المدى ضد إسرائيل.
ورغم أن الولايات المتحدة أطلقت عملية عسكرية واسعة ضد الحوثيين تحت اسم “عملية الفارس الخشن” خلال عام 2025، فإن الضربات الأمريكية – بحسب التقرير – أضعفت قدرات الجماعة لكنها لم تنهها بالكامل.
وأشار التقرير إلى أن اتفاق التهدئة غير المعلن بين واشنطن والحوثيين، بوساطة عمانية في مايو 2025، أدى إلى توقف استهداف السفن الأمريكية، إلا أن حركة الملاحة البحرية لم تعد إلى مستوياتها الطبيعية، خصوصًا مع اندلاع المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية مطلع 2026.
وأوضح التقرير أن إيران ما تزال تقدم دعمًا عسكريًا وتقنيًا للحوثيين، يشمل تكنولوجيا الصواريخ والطائرات المسيّرة والتدريب العسكري، لكنه أشار أيضًا إلى أن العلاقة بين الطرفين ليست علاقة تبعية كاملة، إذ يحتفظ الحوثيون بهامش قرار مستقل في بعض الملفات.
وأكد التقرير أن الجماعة الحوثية تمتلك قدرات عسكرية متطورة، بما في ذلك صواريخ مضادة للسفن وطائرات مسيّرة بعيدة المدى، ما يجعلها قادرة على تهديد الملاحة الدولية وخطوط الطاقة في البحر الأحمر وخليج عدن.
وحذر التقرير من أن أي تصعيد جديد من قبل الحوثيين ضد السفن أو دول الخليج قد تكون له تداعيات اقتصادية وأمنية عالمية، خاصة مع تعطل جزئي لحركة الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع أهمية البحر الأحمر كممر بديل للطاقة العالمية.
-انهيار اقتصادي وأزمة إنسانية تتفاقم
ورسم التقرير صورة قاتمة للوضع الإنساني في اليمن، مؤكدًا أن أكثر من 22 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية، فيما يواجه نحو 18 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
وأشار إلى أن الحرب والانقسام السياسي وتوقف صادرات النفط أضعفت الاقتصاد بشكل غير مسبوق، في وقت تعتمد فيه البلاد بشكل شبه كامل على الاستيراد، بما في ذلك الغذاء والوقود.
كما حذر التقرير من أن التوترات الإقليمية الحالية قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة بشكل إضافي، ما يهدد بحدوث موجات مجاعة جديدة، خصوصًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وأضاف أن تراجع التمويل الدولي للمساعدات الإنسانية أجبر منظمات أممية على تقليص برامج الإغاثة، في حين تستمر القيود المفروضة على عمل المنظمات الإنسانية داخل مناطق سيطرة الحوثيين.
وفي جانب آخر، أشار التقرير إلى أن حالة الفوضى والانقسام وفرت بيئة ملائمة لنشاط تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي يُقدّر عدد عناصره بين ألفين وثلاثة آلاف مقاتل.
كما كشف عن وجود تنسيق وشبكات لوجستية بين القاعدة وحركة الشباب الصومالية عبر خليج عدن، في ظل مخاوف دولية من تحول اليمن مجددًا إلى منصة لتهديد الأمن الإقليمي والدولي.
-واشنطن بين خيار المواجهة والتفاوض
وأكد التقرير أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تركز حاليًا على احتواء التهديد الحوثي عبر العقوبات والضربات العسكرية، مع الإبقاء على خيار التفاوض غير المباشر مفتوحًا.
وأشار إلى أن الكونغرس الأمريكي يناقش حاليًا جدوى العمليات العسكرية ضد الحوثيين، وسط تباين في المواقف بين من يعتبرها ضرورية لحماية الملاحة الدولية، ومن يرى أنها قد تؤدي إلى حرب طويلة ومكلفة دون نتائج حاسمة.
وأكد التقرير أن اليمن ما يزال يواجه مستقبلًا شديد الغموض، في ظل تعقيدات الانقسام الداخلي والتنافس الإقليمي وتضارب المصالح الدولية.
ورأى أن أي تسوية سياسية مستقبلية ستصطدم بملفات معقدة، أبرزها قضية الجنوب، ودور الحوثيين في السلطة، ومستقبل النفوذ الإيراني، إلى جانب التحديات الاقتصادية والإنسانية الهائلة.
وأشار التقرير إلى أن استمرار الوضع الحالي قد يبقي اليمن بؤرة توتر دائمة تهدد أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي لسنوات قادمة.