تقارير

اختطاف خلال 30 ثانية - عائلة عشال تخوض معركة لكشف الحقيقة

30/03/2026, 13:37:22
المصدر : لوس أنجلوس تايمز

عدن، اليمن — كان موقع الكمين مثالياً: شارع ضيق بمسار واحد، مساحة كافية للتجاوز. مخارج قليلة يسهل التحكم بها. ومخبأ عن الطريق السريع بفعل المباني المرتفعة التي تصطف على الجانبين.

لذلك، عندما تعقّب فريق التنفيذ المقدم علي عشال إلى هذا الحي الهادئ في الطرف الغربي من عدن، كانوا مستعدين. ظهرت حافلة صغيرة من طراز تويوتا «فوكس» بزجاج معتم خلف سيارة عشال الرياضية متعددة الاستخدامات، ثم اندفعت بسرعة لتتقدم وتقطع عليه الطريق.

قفز المسلحون خارج الحافلة، أسلحتهم جاهزة، قبل أن تتوقف تماماً. أمسكوا بعشال — الذي بدا مذهولاً لدرجة أنه لم يقاوم — ودفعوه داخل الحافلة، بينما قفز آخر خلف مقود سيارته. وبعد لحظات، غادرت المركبتان بهدوء وكأن شيئاً لم يحدث.

- استغرقت العملية بأكملها 30 ثانية.

كان ذلك في 12 يونيو 2024، ولم تكن عائلته تعلم بعد أن عشال قد انضم إلى قائمة المختفين في اليمن.

بدأت عمليات الاختطاف قبل أكثر من عقد بقليل. كانت حوادث الاختطاف تحدث قبل الحرب الأهلية، لكن حجمها وطبيعتها تغيرا بشكل كبير بعد عام 2014، حين انقسم اليمن فعلياً بين حكومات متنازعة.

بعض حالات الاختفاء كانت مصحوبة بطلبات فدية. لكن في الجنوب، أطلقت ميليشيات مدعومة من الإمارات العربية المتحدة حملات أمنية لمكافحة الإرهاب بهدف تعقب عناصر من القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية أو حزب الإصلاح، الفرع اليمني لجماعة الإخوان المسلمين.

ويقول منتقدون إن عمليات الاختطاف كانت في كثير من الأحيان مدفوعة بتصفية حسابات سياسية أو الابتزاز من قبل السلطة المدعومة من الإمارات في جنوب اليمن، والمتمثلة في المجلس الانتقالي الجنوبي.

وعلى مستوى المنطقة، اختفى الآلاف. وفي عدن وحدها، يبلغ العدد بالمئات — معظمهم ابتلعتهم شبكة سجون سرية تديرها الإمارات وقواتها المتحالفة، حيث كانت التعذيب والضرب وسوء المعاملة شائعة، وفقاً للحكومة اليمنية ومنظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة.

بالنسبة لعائلات المختفين، فإن ألم عدم معرفة مصير ابن أو أخ أو أب يتفاقم مع التهديدات التي تواجه كل من يحاول التدقيق في سلوك السلطات.

غالباً ما كان الناس يخشون التحدث عن اختفاء أحد أقاربهم. لكن عائلة عشال، التي تنتمي إلى قبيلة قوية في جنوب اليمن، كانت حالة نادرة رفض فيها الضحايا الصمت.

وكانوا مصممين على العثور عليه.

حوالي الساعة الواحدة صباحاً، بعد سبع ساعات من عدم عودة عشال إلى المنزل، تواصل أحد أبناء عمومته وصهره مع أصدقاء ومستشفيات ومقار أمنية مختلفة في عدن. دون جدوى.

وفي صباح اليوم التالي، علموا من صديق أن عشال كان من المقرر أن يلتقي سميح النورجي، وهو معروف في مجال العقارات يعمل نيابة عن شخصيات بارزة في وحدة مكافحة الإرهاب في عدن، المدعومة من الإمارات.

كانت هذه أول إشارة إلى الجهة التي قد تكون وراء اختفائه.

النورجي، الذي بدا متعاوناً، قاد العائلة إلى زاوية الشارع حيث التقى عشال. لكن الشرطة وجدت تناقضات في روايته: إذ ادعى أنه وصل بعد عشال، بينما أظهرت كاميرات المراقبة المحلية أنه كان ينتظر وصوله، ثم تبعه بسيارة أخرى عندما غادر.

وبعد الاشتباه في محاولة تضليل التحقيق، احتجزته الشرطة للاستجواب.

في هذه الأثناء، انتشر المحققون وأفراد العائلة في أنحاء عدن لجمع تسجيلات من كاميرات المراقبة الأخرى. وقد مكّنهم ذلك من تتبع سيارة عشال إلى الشارع الذي اعترضت فيه الحافلة طريقه.

قال رأفت السعدي، ابن عم عشال: «عندما رأينا الحافلة في الكاميرات، عرفنا أنها تابعة لجهاز أمني. هم من يستخدمون هذا النوع من المركبات».

وأضاف السعدي: «كان صادماً بالنسبة لي أن أرى السلطات تجرؤ على استهداف ضابط».

رغم هذه الاختراقات، ظهرت مؤشرات على أن الشرطة تتباطأ في التحقيق.

واكتشفت العائلة أن النورجي أُطلق سراحه بعد يومين من احتجازه، بأمر من يسران المقطري، رئيس وحدة مكافحة الإرهاب، الذي قال إنه سيضمن مثول النورجي عند الحاجة.

لكن بدلاً من ذلك، اختفى الاثنان، إلى جانب شركاء آخرين، في اليوم التالي، ويُعتقد أنهم فرّوا إلى الإمارات، وفق تقارير.

وقال السعدي: «كيف سُمح لهؤلاء بمغادرة عدن؟ هل غادروا جواً أم بحراً؟ وإلى أين ذهبوا؟ لم يعطنا أحد أي إجابات».

كما ظل الدافع وراء اختطاف عشال غير واضح. فقد كان قائداً ميدانياً محترماً في القوات المسلحة اليمنية، يبلغ من العمر 42 عاماً آنذاك، ويعمل في مجال العقارات إلى جانب عمله العسكري. ووصفه السعدي بأنه «رجل ذو نفوذ»، لكنه قال إنه كان يستخدم نفوذه لحل النزاعات القبلية ويبتعد عن السياسة.

وقد يكون أحد أسباب استهدافه هو الطمع. إذ كان مسؤولاً عن قاعدة كبيرة تضم مساحات واسعة، ربما سعى البعض للاستحواذ عليها كمشروع استثماري. ووفق هذا التفسير، رفض عشال التخلي عن السيطرة على القاعدة لصالح سلطات عدن، ما دفع أحد المنافسين إلى التخلص منه.

واصلت العائلة البحث. وبدلاً من انتظار المحققين، استخدمت علاقاتها في الشرطة للحصول على مزيد من تسجيلات كاميرات المراقبة.

قال السعدي: «عملنا كجهاز أمني»، موضحاً كيف شكّل 20 من أقاربه ثلاث فرق لجمع كل ما يمكن من صور ومعلومات.

وفي منزله، عرض السعدي على الصحفي أجهزة تخزين وملفات تحتوي على عشرات التسجيلات.

وكان برفقته هاني (35 عاماً)، وهو ابن عم يمتلك مهارات تقنية، قاد جهود تحليل عملية الاختطاف، واكتفى بذكر اسمه الأول خوفاً من الانتقام.

استغرق الأمر نحو أسبوعين من العمل الشاق لتحليل ساعات من التسجيلات.

وفي النهاية، تمكن هاني من تحديد حافلة صغيرة زرقاء متهالكة، وسيارة سيدان، وشاحنة مدرعة من نوع «إنكاس»، كانت تراقب تحركات عشال في الأيام السابقة للعملية، ويبدو أنها نفذت أعمال الرصد للفريق الذي نفذ الاختطاف. كما تتبع سيارة عشال إلى حي يضم سجناً تابعاً للأجهزة الأمنية.

وقال هاني: «حفظت كل مركبة ظهرت في تلك التسجيلات»، مشيراً إلى الحافلة.

وأضاف هاني: «حاولوا إخفاء تحركاتهم بتغيير المرايا وتعديل أجزاء من السيارة لتغيير شكلها، لكننا تمكنا من تعقبهم».

بعد أسبوعين من الاختطاف، سلّم هاني التسجيلات وتحليله إلى السلطات. وخلال ذلك الوقت، حشدت قبيلة عشال أفرادها، ونظمت احتجاجات شارك فيها المئات في ساحة عدن الرئيسية، كما نسقت مع قبائل أخرى لإغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة. ومنحت المجلس الانتقالي الجنوبي مهلة حتى أغسطس لكشف مصير ابنهم.

بدا أن التهديد كان له تأثير: إذ داهمت الشرطة منزلاً قرب المكان الذي عُثر فيه على سيارة عشال، واعتقلت 32 شخصاً، وجمعت أدلة تربط المقطري وآخرين بصفقات عقارية مشبوهة غالباً ما تضمنت إجبار الناس على التخلي عن ممتلكاتهم.

وقبل يوم واحد من انتهاء المهلة، عقد مدير أمن عدن مؤتمراً صحفياً أقر فيه بأن عناصر من وحدة مكافحة الإرهاب — بينهم المقطري — وأجهزة أمنية أخرى، دبروا عملية الاختفاء. ووجّه بالتنسيق مع الإنتربول لملاحقة المتهمين في الخارج.

لكن العائلة رأت في تلك الإجراءات مجرد تشتيت.

فمن بين 32 معتقلاً، أُدين اثنان فقط، وفق السعدي، وكانا مجرد منفذين صغار، بينما أُطلق سراح الثلاثين الآخرين.

كما لم تُستكمل إجراءات التواصل مع الإنتربول بسبب مشكلة إجرائية.

وفي الوقت نفسه، نفى المقطري تورطه في بيان أصدره، لكنه لم يعد لمواجهة الاتهامات، كما لم تبدِ الإمارات استعداداً لتسليمه، بحسب أحمد هادي (48 عاماً)، صهر عشال.

وقال هادي: «هذا جهاز أمني اختطف شخصاً وأخفاه. هل يمكن أن نطلب منه التحقيق في اختفائه؟».

وأضاف هادي: «نحن نتعامل مع عصابات، مع مافيا متواطئة على جميع المستويات: الشرطة، القضاء، الحكومة... الجميع».

واصلت العائلة نضالها لمعرفة مصير عشال. ونظم السعدي وآخرون احتجاجات متكررة، رغم استخدام المجلس الانتقالي الجنوبي سياسة الترغيب والترهيب، عبر طمأنتهم تارةً بأن عشال سيُعثر عليه، وتفريق الاحتجاجات واعتقال المشاركين تارةً أخرى.

كثير من العائلات اليمنية فقدت الأمل في العثور على أحبائها، لكن بارقة أمل ظهرت مؤخراً من مصدر غير متوقع — مواجهة في فبراير بين السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي.

فبعد أن حاول المجلس التوسع والسيطرة على مزيد من الأراضي، شنت السعودية غارات جوية لإجباره على التراجع، وأرغمت قياداته على إعلان حلّه.

وكان ذلك بمثابة فرصة انتظرتها عائلات المختفين.

قالت أروى فضل، منسقة رابطة أمهات المختطفين: «في السابق، عندما كنت أطرح قضية المعتقلين، كنت أُتهم بالمبالغة. لكن مع تدهور العلاقة بين الإمارات والسعودية، أصبح السعوديون أنفسهم يتحدثون عن ذلك».

وأضافت فضل، أن كثيراً من العائلات كانت تخشى التحدث في ظل سيطرة المجلس والإمارات.

وقالت فضل: «الآن نتلقى اتصالات يومياً من أشخاص يسألون: أين أقاربنا؟ إلى أين أُخذوا؟».

وتعمل فضل وآخرون على الضغط للسماح بدخول السجون والبحث عن المختفين.

لكن رغم صدور توجيهات رئاسية بإغلاق السجون غير القانونية والإفراج عن المحتجزين بشكل غير قانوني، لم يحدث ذلك، كما قوبلت محاولات دخول مراكز الاحتجاز بالمقاومة.

وقال توفيق الحميدي، رئيس منظمة سام للحقوق والحريات: «العديد من الجهات الأمنية التي ارتكبت هذه الانتهاكات لا تزال تحتفظ بالسلطة وتسيطر على مرافق الاحتجاز».

ومنذ إقصاء المجلس الانتقالي، كثفت عائلة عشال ضغوطها لمحاسبة المتهمين. وفي يناير، جدّدت وزارة الداخلية اليمنية طلبها من نظيرتها الإماراتية للقبض على المقطري وشركائه، دون رد حتى الآن.

يعلم السعدي أن احتمال بقاء عشال على قيد الحياة ضعيف، لكنه يطالب بمعرفة الحقيقة.

وقال: «سمعنا شائعات أنهم قتلوه. حسناً، هذا يحدث. لكن أين الجثة؟ إذا أردتم إعدامه فأخبرونا. لكن أن تُخفوه...».

وتابع هادي: «لن نتوقف. حتى لو سقطت السماء علينا، سنعرف ما حدث».

تقارير

مضيق باب المندب على المحك: هل سيغلقه الحوثيون؟

أطلقت إيران موجات من الصواريخ على إسرائيل يوم الاثنين، بينما نفّذ الحوثيون المدعومون من طهران في اليمن هجومهم الثاني منذ بدء التصعيد، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض طائرتين مسيّرتين أُطلقتا من اليمن صباح 30 مارس.

تقارير

ترسانة مخفية أعدتها واشنطن لمواجهة محتملة مع الحوثيين

أدى استنساخ التجربة الأوكرانية إلى نقل الصراع مع الجماعات المسلحة في اليمن إلى مستوى جديد استدعى تطوير أسلحة خاصة. وأكدت القيادة الحربية الأميركية في بيان لها أن لديها" قدرات خاصة" ستستخدم في المعركة ضد الحوثيين ولا يمكن ذكرها في الوقت الحالي... فماذا نعرف عن أسلحة معركة البحر الأحمر؟

تقارير

تصعيد الحوثيين ضد (إسرائيل) ينذر بفتح جبهة جديدة تهدد الاقتصاد العالمي

في حربٍ أُلقيت فيها عشرات الآلاف من القنابل عبر الشرق الأوسط، وأسفرت ربما عن مقتل آلاف المدنيين، قد يبدو الهجوم الأخير تافهاً: صاروخ واحد تم اعتراضه في الجو دون أن يُصيب أحداً. ومع ذلك، فإن إطلاق جماعة الحوثي في اليمن، في 28 مارس، أول صواريخ باتجاه جنوب (إسرائيل) منذ اندلاع الحرب مع إيران، قد ينذر بفتح جبهة جديدة - ذات تداعيات بعيدة المدى على الاقتصاد العالمي.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.