مقالات

ما مستقبل الاحتلال الاستيطاني لفلسطين؟

15/03/2023, 14:04:24

يتماهى موقف الأحزاب الصهيونية العلمانية: يمينها، ويسارها، مع موقف الأحزاب الدينية، فيما يتعلق بأسطورة "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، وفي طبيعة ممارسة نظام الفصل العنصري، والاستيطان، والتهويد. 

حزب راكاح كان الاستثناء الوحيد؛ فقد قبل راكاح بالتقسيم، ولكنه تبنى مطلب دولة لكل مواطنيها، وهو ما قبل به التجمع الوطني الديمقراطي رابطا بين المطالب الديمقراطية، ومطلب المواطنة.

في "الأساطير الإسرائيلية"، يورد جارودي النص التالي: "ألم يكن صوت يشوع هو نفسه صوت مناحم بيجن، الذي أقدم مع قوات منظمة أرجون، في 9 أبريل نيسان 1948 على قتل 254 من الرجال والنساء والأطفال من سكان دير ياسين؛ لإجبار العرب العزل على الفرار من أرضهم للنجاة من التروبع، والإرهاب؟"، (المصدر: مناحيم بيجن، تاريخ منظمة ارجون، منشورات اليانور، 1978).

"فهو يطالب اليهود ألا يكتفوا بطرد العرب، بل عليهم أن يستولوا على فلسطين كلها". "وألم يكن صوت يشوع هو نفسه صوت موشي ديان الذي قال: إذا كنا نملك التوراة، ونعتبر أنفسنا شعب التوراة؛ فمن الواجب علينا أن نمتلك جميع الأراضي المنصوص عليها في التوراة". (المصدر: صحيفة جيروزاليم، بوست 10 أغسطس، آب 1977).

أما يورام ابن بورات - رئيس الجامعة العبرية، الذي صرح لصحيفة يديعوت أحرونوت، 14 يوليو، 1972: "لن تكون هناك صهيونية، ولن يكون هناك وجود استيطاني للدولة اليهودية إلا بطرد العرب، والاستيلاء على أراضيهم. وإذا كان هذا رأي وموقف ونهج التيار العلماني الصهيوني، فإن التيار الديني لا يختلف عن موقف ونهج التيار الصهيوني العلماني، بل ربما كان أكثر إرهابًا وهمجية.

في مبحث له بعنوان "القضية الفلسطينية والنزاع العربي - الإسرائيلي"، يشير يوري افنيري الصحفي اليساري إلى أن الحاخام إسحاق ماير ليفين رئيس أغودات إسرائيل، وبو عالي أغودات إسرائيلي؛ وهما حزبان دينيان أعلنا خلال نقاش ما يلي: "لقد اتضح لنا جميعا أن الإله إلهنا، وحتى الذين لا يبصرون، والذين لا يفقهون، شعروا الآن بمعجزاته. لقد رأينا الإله يقسي قلب ناصر؛ فتشاجر مع الفرنسيين في الجزائر لغير صالحه، واصطدم بالإنجليز في السويس، وانعزل عن العالم العربي بأسره، ولولا ذلك كيف يسعنا أن نتخيل أن ما حدث بإمكانه أن يحدث". وهما بذلك يشيران إلى العدوان الثلاثي في 1956. من (الفكر الصهيوني المعاصر، ص 279).

وأنموذج الحاخام مائير كاهانا، والقيادة اليمينية الحالية بزعامة نتنياهو، تدلل أن الأهداف الرئيسية للصهيونية لا تزال هي هي منذ وعد بلفور، 1917، والتحالف القائم بين اليمين الصهيوني الأشد تطرفا، واليمين الديني هو ذروة الكارثة على القضية الفلسطينية، وعلى المنطقة بأسرها، وعلى الأمن والسلام.

الكيماوي المزدوج، الذي كان يهدد به صدام حسين، لا يتجلى في شيء كتجليه في القيادة اليمينية الإسرائيلية، وخطرها لا يطال القضية الفلسطينية وحدها؛ فقد يمتد إلى الداخل الإسرائيلي، ويطال أتباع أمريكا في المنطقة، وداخل السلطة الفلسطينية نفسها، وقد يكون مؤشر نهاية خرافة أرض الميعاد، وأكذوبة "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض".

وبعيدا عن الأوهام، وخداع الشعب الفلسطيني، والأمة العربية، والعالم؛ فالدولة الإسرائيلية في مدريد وأوسلو قبلت تكتيكيا بالحكم غير المباشر للضفة الغربية، وبوجود سلطة تحت الهيمنة الإسرائيلية، وقبلت القيادة الفلسطينية بتقسيم الضفة، وبقاء كل مقومات السيادة بيد إسرائيل.

الانتفاضة الفلسطينية الثانية أكدت استحالة قبول الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج بالاحتلال، ونظام الأبارتيد. ومنذ العام 2000، وبعد قمع الانتفاضة الثانية بحرب شارك فيها الطيران، وكل الأسلحة الثقيلة - تخلت إسرائيل عن وهم الحكم بواسطة السلطة، أو الركون على التنسيق الأمني.

في لقاء قمة العقبة حاول الوسطاء: مصر، والأردن، إقناع إسرائيل بالاستمرار بصيغة مدريد وأوسلو، لكن القيادة الفعلية للاستيطان رفضت ذلك، والتشريعات التي أقرتها الكنيسة تؤكد السيطرة المطلقة على كامل الضفة، وتهويد القدس، وإسقاط وهم الدولتين، أو دولة لشعبين، وقيام الدولة اليهودية من البحر إلى النهر.

وكما أسقطت إسرائيل في 1948، و1967 قصة التقسيم؛ فإنها، ومنذ الاحتجاجات الحالية، والتشريعات الجديدة تلغي فك الارتباط، والاتفاقات الخائبة، مسنودة بالخذلان العربي، وتهافت التطبيع.

راهنت السلطة الفلسطينية على أمريكا، والقبول الإسرائيلي بها، أكثر من الرهان على شعبها، ومقاومته الباسلة لأكثر من سبعين عاما، كما لم تحترم وحدة شعبها، أو تصيخ السمع للرؤى الحريصة والناضجة لمفكريها في المبادرات الوطنية، والطريق الثالث، والتجمع الوطني الديمقراطي في الداخل، أو تفيد من الانتفاضة الأولى التي أوصلتها إلى السلطة، أو الانتفاضة الثانية.

حاليا يشهد الشعب الفلسطيني انتفاضته الثالثة، وهذه الانتفاضة تتميز عن الانتفاضة الأولى في مزجها بين المسيرات الشعبية، والانتفاضات والإضرابات، وبين المواجهة المسلحة للشبان الفلسطينيين، وهي مختلفة عن الانتفاضة الثانية التي فرض عليها جيش الاحتلال المواجهة غير المتكافئة؛ فما هي الاحتمالات، في ظل المواجهات اليومية، ومسيّرات التشييع الاحتجاجية المنذرة، والوضع المتأزم داخل إسرائيل، والاحتجاجات المتصاعدة، وغير المسبوقة، ووجود قيادة يمينية متهمة ومدموغة بالفساد، وجانحة للحرب؟ هناك أكثر من احتمال:

الاحتمال الأول: أن يمضي اليمين المسيطر على الكنيست في فرض التشريعات؛ مستهينا بالاحتجاجات، ويدفع بالاستيطان، وتصعيد المواجهة، وإلغاء القضاء، وتهديد صيغة الحكم المتوارثة؛ مما قد يؤدي إلى مواجهات في الضفة والقطاع قد تمتد إلى غير منطقة؛ وهو احتمال تزكيه طبيعية الدولة -الأبنة البكر للحربين الكونيتين- التي قامت على الحرب منذ منتصف الثلاثينات، وحرب 1948، و1956، و1967، و1973، واجتياح لبنان 1982، والاعتداءات المتكررة ضد سوريا، وضرب المفاعل النووي العراقي، والتهديد بضرب المفاعل النووي الإيراني، وقد يكون مصدر التصلب في موقف اليمين الديني والصهيوني المتطرف أن الرئيس نتنياهو متهم بالاحتيال، والرشوة، وخيانة الأمانة، وإيريه درعي- زعيم شاس متهم بالتهرب الضريبي، وزعيم الصهيونية سمو بريتش- وزير المالية يهدد بمحو حواره من الخارطة؛ فمعركتهم مع القضاء، ومع الاحتجاجات، قد يدفع للهرب لإشعال الحرب المشتعلة أصلاً.

الاحتمال الثاني: أن تتصاعد الاحتجاجات في الداخل الإسرائيلي، ويشتد ساعد المقاومة، والاحتجاجات الفلسطينية، خصوصا في رمضان، إضافة إلى إنشغال الحامي الأمريكي بالحرب في أوكرانيا، والفزع من صعود نجم الصين، وتراجع نفوذه في الشرق الأوسط، وغرق أوروبا المساندة لأوكرانيا في حربها، إضافة إلى أزماتها الداخلية.

ويقينا، فإن عودة العلاقات السعودية - الإيرانية عائق كبير أمام احتمالات مغامرات اليمين المتطرف، وقد يؤدي تصاعد الاحتجاجات إلى ضغط دولي يحد من مخاطر الحرب، وربما سقوط اليمين المتطرف.

مقالات

ماذا تصنع قوات طارق في الوازعية؟

كل المؤشرات المرتبطة بالتصعيد غير المنضبط في مديرية الوازعية تبرهن على أن قوات "المقاومة الوطنية" بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق محمد عبد الله صالح، ترتكب أخطاء قاتلة في هذه المديرية التي يُعرف أهلها بقدر كبير من الصلابة في الدفاع عن كرامتهم وحريتهم، وقد أثبتوا خلال السنوات العشر الماضية جدارة في القتال ضمن المقاومة الشعبية في مواجهة جماعة الحوثي الانقلابية.

مقالات

الشرعية: صراع على الهامش

بدو الشرعية اليمنية اليوم بعيدة عن قلب المعركة التي يفترض أن تخوضها. فبدلًا من أن توجّه طاقتها إلى استعادة الدولة، وترميم المؤسسات، وتوحيد الجبهة المناهضة للانقلاب، انزلقت إلى صراعات جانبية على النفوذ والمواقع، وتوزعت قواها بين ولاءات متنافسة، وتشكيلات مسلحة متجاورة، ورعاة خارجيين يضبطون الإيقاع ويحددون حدود الحركة. وعلى امتداد هذا المشهد، تتآكل فكرة الدولة تدريجيًا، ويتحول ما تبقى من الجغرافيا الخارجة عن سيطرة الحوثيين إلى مساحات مفتوحة لتصفية الحسابات، وإعادة توزيع القوة، وإدارة المجتمعات المحلية بأدوات الغلبة.

مقالات

إيران.. ثبات الأهداف وتغيّر الأقنعة

حين ننظر إلى التاريخ الإيراني من زاوية ممتدة، لا كوقائع متفرقة بل كسلسلة متصلة من الأفكار والأنماط، يتبدّى لنا أن التحولات الكبرى التي عرفتها إيران لم تكن في جوهرها انقطاعات حادة، بقدر ما كانت إعادة تشكيل لمشروع

مقالات

هل السعودية لم تفهم اليمن بعد؟!… قراءة في مأزق السياسة والخيارات!

ليست المشكلة في أن السعودية لا ترى ما يحدث في اليمن، لكنها تقرأه بعدسة تختزل التعقيد في ظواهر سطحية، وتتعامل مع القوى الفاعلة باعتبارها أوراقاً قابلة للمساومة، لا تعبيرات عميقة عن بيئات اجتماعية ونفسية وتاريخية متجذّرة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.