مقالات
هل السعودية لم تفهم اليمن بعد؟!… قراءة في مأزق السياسة والخيارات!
ليست المشكلة في أن السعودية لا ترى ما يحدث في اليمن، لكنها تقرأه بعدسة تختزل التعقيد في ظواهر سطحية، وتتعامل مع القوى الفاعلة باعتبارها أوراقاً قابلة للمساومة، لا تعبيرات عميقة عن بيئات اجتماعية ونفسية وتاريخية متجذّرة.
حين تنظر الرياض إلى “المجلس الانتقالي”، فإنها تراه—في أحد وجوهه—قوة ذات حضور جماهيري يمكن احتواؤها بسياسات اللين، والإغراء، ومحاولات التفكيك التدريجي. وهذه قراءة تبدو منطقية في سياقات أخرى، لكنها في اليمن قراءة قاصرة، لأنها تتجاهل الطبيعة البنيوية للانتقالي، بوصفه امتداداً لبيئة مناطقية حادة، ترى في وجوده امتداداً لوجودها، وفي غيابه تهديداً وجودياً لا سياسياً فحسب.
هذه البيئة لا تتحرك وفق حسابات الربح والخسارة التقليدية، بل وفق معادلة صفرية قاسية: “إما أنا… أو الجحيم”. ومن هنا، فإن أي سياسة تقوم على الاستيعاب أو الاسترضاء أو حتى التفكيك الناعم للإنتقالي، ستصطدم بجدار نفسي صلب لدى هؤلا، يتغذى على الشعور بالعزلة، وضيق العمق الجغرافي، وهشاشة الموارد، والاعتماد شبه الكامل على “خزان المقاتلين” كأداة بقاء.
وليس الانتقالي استثناءً في هذا السياق، فالحركة الحوثية—رغم اختلاف المرجعية—تتحرك ضمن منطق مشابه. صحيح أن المجتمع في مناطق سيطرتها يرزح تحت أعباء ثقيلة، لكن الحركة نجحت في بناء قاعدة تعبئة مذهبية شبابية واسعة، تشكّل عمودها الفقري، وتمنحها قدرة مستمرة على الصمود وإعادة إنتاج القوة. إنها ليست مجرد سلطة أمر واقع، بل منظومة تعبئة متكاملة، تستند إلى شعور بالتمايز والاصطفاء، وتعيد تشكيل وعي أتباعها على هذا الأساس.
في مواجهة هاتين الحالتين، تبدو أدوات “الترغيب والاحتواء” محدودة الأثر، بل وربما عكسية النتائج. فهذه الحركات لا تتغذى على المصالح بقدر ما تتغذى على الهويات الصلبة، ولا تتفكك بالهدايا بقدر ما تتماسك تحت الضغط الناعم.
لكن في المقابل، فإن خيار “الحسم” ليس غائباً كما يُتصوَّر، بل يظل ممكناً متى ما أُعيد بناء العلاقة مع الحلفاء الحقيقيين على قاعدة الشراكة، وتم تمكينهم بما يعزز حضورهم في الداخل. لكن المملكة أهملت الحليف بل أتخذته خصماً لإسترضاء الخصم الحقيقي، فبدا الحسم وكأنه خيار مستحيل، بينما هو في جوهره خيار مؤجل بفعل اختلال مقاربة التحالف لا بعجز في الواقع.
الخطأ الأعمق لا يكمن فقط في طبيعة الأدوات، بل في طريقة إدارة التحالفات. فمنذ انطلاق “عاصفة الحزم”، امتلكت السعودية حلفاء حقيقيين داخل بنية “الشرعية” كما أسلفنا، قوى اجتماعية وسياسية تمتد جذورها في عمق المجتمع اليمني شكلت عمود الشرعية، وكان بالإمكان—لو تم دعمها بجدية—أن تشكّل رافعة حقيقية لإعادة بناء الدولة، أو على الأقل خلق توازن فعّال في مواجهة المشاريع المضادة.
غير أن ما حدث كان العكس تمامًا.
بدلًا من تعزيز هذه القوى، جرى إضعافها، بل والسماح بضربها وتحييدها، في مقابل الانخراط—بشكل مباشر أو غير مباشر—في سياسات تتقاطع مع المشروع الإماراتي في الجنوب، والذي عمل على تفكيك بنية الشرعية، وبناء كيانات موازية لها. وهكذا وجدت السعودية نفسها في مفارقة حادة: تضعف حلفاءها الطبيعيين، وتسعى في الوقت ذاته إلى استمالة خصومها.. والنتيجة أنها نجحت في إضعاف الحليف لكنها لم تنجح في إستمالة الخصم.
الإمارات، في مرحلة سابقة، كانت تتحمل العبء الأكبر في إدارة المشهد الجنوبي، بكل ما فيه من تعقيدات وتشظيات. أما اليوم، فقد انتقل هذا العبء بشكل كامل إلى كاهل السعودية، التي باتت مسؤولة سياسياً وأخلاقياً عن مآلات الجنوب، وعن الفشل المتراكم فيه.
وهنا تتجلى الخطورة.
ففشل السياسة السعودية في الجنوب لا يعني فقط تعثراً موضعياً، بل يفتح الباب أمام فشل أشمل في اليمن كله. لأن الجنوب ليس هامشاً يمكن احتواؤه، بل هو مفتاح توازن، وإذا اختل هذا المفتاح، فإن بقية المعادلة اليمنية ستنهار تباعاً.
إن اليمن ليس ساحة يمكن إدارتها بسياسات “الترقيع” أو “شراء الوقت”، ولا هو بيئة تستجيب لمنطق الصفقات الجزئية. إنه كيان عميق في تعقيداته، لا يقبل أنصاف الحلول، ولا يرحم الأخطاء الاستراتيجية.
ما تحتاجه السعودية ليس مجرد تعديل تكتيكي، بل مراجعة جذرية لرؤيتها:
فهمٌ أعمق لطبيعة القوى الفاعلة، إعادة بناء حقيقية لتحالفاتها، استثمار في القوى الاجتماعية ذات الامتداد الوطني، بدل الارتهان لقوى الأمر الواقع، والانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل.
غير ذلك، ستظل تدور في حلقة مفرغة:
تخسر السعودية حلفاءها… دون أن تكسب خصومها،
وتدير الأزمة… دون أن تقترب من حلها.
قد تجد السعودية نفسها، في لحظة ما، غارقة حتى أذنيها في تعقيدات اليمن، فلا هي قادرة على الانسحاب، ولا نهجها الحالي يفضي إلى نتيجة. فاليمن ليس ملفاً عابراً في حساباتها، بل هو كعب أخيل الذي تتكثف عنده كل الهشاشات الاستراتيجية. ومن هنا، فإن النجاح فيه ليس ترفاً سياسياً بل ضرورة وجود، كما أن الإخفاق ليس مجرد تعثر عابر بل انزلاق نحو كلفة لا تُحتمل… وبين هذا وذاك، يبقى الخيار للمملكة وحدها.