مقالات

فبراير ليست يوما في التاريخ بل بوصلة للمستقبل

13/02/2026, 19:56:54

أحييكم في الذكرى الخامسة عشرة لثورة الحادي عشر من فبراير 2011 الشبابية الشعبية السلمية، لا من باب الفخر وحده، بل من موقع المسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل. لم تكن ثورة فبراير السلمية حدثًا عابرًا، بل لحظةً تأسيسية كشفت جوهر الصراع في اليمن بين مشروع دولة حديثة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة وحكم القانون، ومشاريع استبداد وانقلاب ووصاية لا تريد لليمن أن يكون دولةً حرّةً مستقلة.

اليوم وبعد 15 سنة من عمر ثورة فبراير السلمية، وأكثر من 10 سنين من عمر الانقلاب الميليشاوي والحرب والوصاية على اليمن، فإننا نستحضر هذه الثورة العظيمة بوصفها معيارًا سياسيًا وأخلاقيًا، وخارطة طريق لوقف الانقلاب والحرب وبناء سلام مستدام في اليمن. 

في ثورة الحادي عشر من فبراير الشبابية الشعبية السلمية، خرج اليمنيون، وفي مقدمتهم الشباب والنساء، وقد ضاقوا بدولة الفساد والاستبداد والفشل والتبعية، وحلموا بدولة تقوم على العدالة والحرية والكرامة والشراكة والتنمية وحكم القانون. خرجوا بمطالب واضحة: دولة المؤسسات لا الأفراد، ودولة القانون لا السلاح، واختاروا السلمية عن وعيٍ عميق بأن الشرعية تُبنى بالإرادة الشعبية لا بالقهر والقمع.


لم تكن فبراير صراعًا على سلطة، بل صراعًا على معنى الدولة: لا لاستبدال شخصٍ بشخص، ولا الدولة بالميليشيا، ولا الجمهورية بالوصاية، بل لاستعادة الدولة وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين: الشعب. لذلك فإن الهزيمة الحقيقية ليست في تعثّر المسار، بل في التخلي عن قيم فبراير والقبول بالظلم كأمر واقع.


قامت الثورة لأن الدولة في عهد علي عبد الله صالح وصلت إلى انسداد وانهيار شاملين، بعد أن جرى اختطافها وتحويلها إلى دولة فرد وعائلة وقبيلة، تُدار بالولاءات لا بالمؤسسات. غير خافٍ على أحد، فقد نُهبت الثروات، واستشرى الفساد، وتدهور الاقتصاد، واتسع الفقر والبطالة، حتى تحوّل اليمن، رغم غناه بالموارد، إلى بلد فقير وفاشل وفق التصنيفات الدولية، نتيجة نظام حوّل الدولة إلى شبكة مصالح عائلية وقبلية تُدار لخدمة الحاكم لا المجتمع.


لقد حكم علي عبد الله صالح بمنطق صناعة الأزمات وسياسة «فرّق تسُد»، فجعل الانقسام والصراع والحرب أدوات دائمة للبقاء في السلطة. لم يكن العنف طارئًا، بل جوهر نظامه. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، قاد صالح اليمن في سلسلة حروب متواصلة، حيث أشعل النزاعات، ووظّف الجماعات الإرهابية لقمع الداخل وابتزاز الخارج، حتى تآكلت العدالة وتحولت الدولة إلى كيان يُدار بالخوف لا بالقانون.


ورغم كل محاولات الإصلاح السلمي، أُغلقت أبواب التغيير، وبلغ الانسداد ذروته بمحاولات تعديل الدستور لإطالة مدة حكمه، وثم مشروع توريث الحكم لابنه وتحويل الدولة إلى ملكية خاصة، وتحويل السلطة والثروة والجيش إلى ملكية خاصة تُدار داخل دائرة عائلية وقبلية ضيقة، في بلد قام رفض الحكم الإمامي الوراثي وبُني على الجمهورية والديمقراطية.


هنا تراكمت أسباب الانفجار، وفقد اليمنيون ثقتهم بدولة لم تعد تمثلهم، ولا تحمي كرامتهم، ولا تؤمّن لهم حياة كريمة، فلم تعد الثورة خيارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، بل ضرورة تاريخية.
لقد صنع حكم علي عبد الله صالح الفاشل والفاسد والمستبد كل الشروط الموضوعية للثورة، فجاءت ثورة الحادي عشر من فبراير الشبابية الشعبية السلمية فعلًا ومشروعَ إنقاذ وطني عميق. عبّرت عن الإرادة الأخلاقية والسياسية لليمنيين في استعادة الحكم بوصفه تفويضًا من الشعب لا إرثًا للحاكم، وفي إنقاذ الدولة اليمنية من التآكل والانهيار الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، وإعادة بنائها جمهورية موحّدة ديمقراطية مستقلة، دولة مؤسسات ومواطنة متساوية وعدالة وتنمية وشراكة وحكم رشيد، تليق بتضحيات شعبها وأجيالها القادمة.


وفي مسار الثورة، كان أمام اليمنيين خياران لا ثالث لهما: العنف، وهو الأسهل في بلد ينتشر بين ابناءه مالايقل عن 70 مليون قطعة سلاح، أو النضال السلمي، وهو الأصعب والأكثر كلفة. وبوعيٍ ومسؤولية تاريخية، اختار الشعب اليمني السلمية خيارًا استراتيجيًا لا تكتيكًا مؤقتًا، إدراكًا بأن النظام يتقن العنف ويسعى لجرّه إلى ساحته. وكان الرد بالسلمية: نزع شرعيته الأخلاقية، وتعريته أمام الداخل والخارج، وفضح عنفه أمام العالم. لقد آمن الشعب اليمني بأن السلمية وحدها تُسقط شرعية الظلم، وتحميه، وتوحّده حول قضية عادلة، وتفتح الطريق أمامه نحو تنمية حقيقية وعدالة راسخة وسلام مستدام.


وطيلة أشهر الثورة السلمية واجه اليمنيون الرصاص بالهتاف، والعنف بالصبر، وحافظوا على سلميتهم حتى أسقطوا الديكتاتور وأجبروه على نقل السلطة في نوفمبر 2011، في انتصارٍ للإرادة الشعبية على الاستبداد.
يا شعبنا اليمني العظيم في الداخل والمهجر، بعد انتصار ثورة فبراير وإسقاط رأس النظام، دخل اليمن مرحلة انتقالية شاملة دون إقصاء أحد أو انتقام، بما في ذلك للحزب الحاكم الذي ثرنا عليه. ورغم ما شاب هذه المرحلة من قصور وأخطاء جسيمة، لكنها، بفضل روح الثورة السلمية والتمسك بقيمها ورؤيتها الواضحة للمستقبل، شهدت إنجازات حقيقية وغير مسبوقة.


فكما قدّمت ثورة فبراير نموذجًا فريدًا لإحدى أعظم الثورات السلمية في العالم، فقد قدّمت أيضًا نموذجًا ناجحًا لإدارة الحكم والدولة خلال السنوات الثلاث للفترة الانتقالية؛ إذ جعلت السلم سياسة حكم بديلًا عن العنف والحرب، ورسّخت مناخًا غير مسبوق من الحريات الأساسية، وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير والتنظيم والتظاهر السلمي، وأوقفت الاعتقالات السياسية، وحسّنت الرواتب، وألغت بعض صفقات الفساد الكبرى، وحققت قدرًا من الاستقرار الاقتصادي، بما أعاد الثقة بالدولة ومؤسساتها.


كما أُطلق حوار وطني شامل ضمّ كل المكونات، ناقش القضايا الكبرى من شكل الدولة والعدالة الانتقالية إلى الاقتصاد والحقوق والحريات والجيش، وقضية صعدة والقضية الجنوبية، وأثمر وثيقة وطنية لمخرجات الحوار ومسودة دستور متقدمة كرّستا الحقوق والحريات، والمواطنة المتساوية، والمشاركة والمساءلة، وسيادة القانون، وفتحتا الطريق أمام انتقال سلمي نحو دولة حديثة.


كنا على بُعد أيام من الاستفتاء على الدستور والانتقال من الثورة إلى الدولة عبر انتخابات حرة، لولا تحالف الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، المنتقم من شعبه والرافض لفكرة الدولة من أساسها، مع ميليشيا الحوثي الإمامية السلالية، في واحدة من أسوأ عمليات الخيانة للدولة اليمنية والانقلاب على الجمهورية.


ففي 21 سبتمبر 2014 قاد تحالف الثورة المضادة، المكوَّن من علي عبد الله صالح بدعم إماراتي وبرضى وصمت سعودي، وميليشيا الحوثي بدعم إيراني، انقلابًا على الثورة السلمية ومسارها الانتقالي؛ حوصرت السلطة الانتقالية، ومُنعت مسودة الدستور من الوصول إلى الشعب، وسيطر الانقلابيون على مؤسسات الدولة، وسقطت العاصمة صنعاء.


والمفارقة أن دول الثورة المضادة في المنطقة، رغم تناقضاتها وصراعاتها العميقة، التقت مصالحها عند هدف واحد: منع اكتمال الثورة السلمية وإجهاض ولادة دولة يمنية حديثة مستقلة. ولم يكن عداؤها نابعًا من الخوف من ضعف اليمن، بل من قوته القادمة وإمكاناته الهائلة. فقد خشيت هذه الدول نجاح الثورة السلمية في بناء دولة يمنية جمهورية ديمقراطية قوية، تستند إلى إرادة شعبها، وتتكئ على إمكانات ضخمه، موقعها الاستراتيجي، وساحلها الممتد، وجزرها الاستراتيجية، وثرواتها من النفط والغاز والذهب والمعادن، والأهم كثافتها السكانية وقدرة أبنائها على البناء والإبداع واستثمار طاقاتهم البشرية.


إن يمنًا مستقلًا ومستقرًا بمؤسساته وسيادته كان سيشكّل وزنًا حقيقيًا في الإقليم، وهو ما لم ترحب دول إقليمية وعالمية فضّلت بقاء اليمن هشًا ضعيفا، تُديره إما ديكتاتور متحكم به أو ميليشيات تابعة ، بدل دولة ذات سيادة كاملة.
نعم، أجهضت الثورة المضادة مرحلة انتقالية جاءت بعد ثورة سلمية عظيمة حملت الحقوق والحريات وقدرًا من الاستقرار الاقتصادي. لكن الثورة المضادة، والدول التي وقفت خلفها، لم تجلب لليمن سوى الحرب والفوضى والانهيار. انتصارهم في هذه المرحلة زائفًا ومؤقتًا؛ إذ لم يُهزم معنى فبراير، بل كُشف حجم الخوف منه. فالثورات لا تُقاس بلحظة الانقلاب عليها، بل بقدرتها على البقاء كفكرة حيّة وقيمة أخلاقية ومعيار للمستقبل.
فبراير باقية: فكرة حيّة، وبوصلة للمستقبل، ووعد سيتحقق مهما طال الزمن.

- يا شعبنا اليمني العظيم،
كان التفاهم غير المعلن بين قوى الثورة المضادة يقوم على حصر انقلاب تحالف الحوثي–صالح في صنعاء والشمال، غير أن تمدده نحو عدن كسر هذا السقف وأدخل اليمن في حرب شاملة. أعقب ذلك تدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية في مارس 2015 تحت شعار استعادة الشرعية ومنع سقوط الدولة بالكامل. إلا أن هذا التدخل، الذي تحوّل عمليًا إلى تحالف سعودي–إماراتي، انحرف تدريجيًا عن أهدافه المعلنة، فلم يؤدِّ إلى استعادة الدولة، بل أسهم في تفكيكها وإضعاف مؤسساتها.


فبدل تمكين الشرعية، جرى إضعافها سياسيًا وعسكريًا، وبدل مواجهة ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران، أُنشئت ميليشيات موازية للدولة في المناطق المحررة، لا تدين بالولاء لليمن ولا تخضع لمؤسساته. كما جرى تعطيل مؤسسات الدولة وتجريدها من صلاحياتها، ما عمّق حالة الانقسام وأطال أمد الصراع. 


وخلال عشر سنوات من الانقلاب والحرب، لم تكن معاناة اليمنيين نتيجة الانقلاب الحوثي وحده، بل أيضًا نتيجة انحراف مسار التدخل وتحوله إلى إدارة صراعات نفوذ وتقاسم مناطق السيطرة. واليوم، وفي ظل سلطات متنازعة، يواجه اليمنيون واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم: اقتصاد منهار، مؤسسات مشلولة، عملة متدهورة، خدمات شبه معدومة، وملايين يعيشون تحت القمع والجوع وغياب الحماية والحقوق.


في هذا السياق، برز الدور الإماراتي بوصفه الأخطر على مسار الدولة اليمنية، والأبرز في تدميرها وتفكيكها، وهو ما حذرنا منه مرارًا. فلم يكن هذا الدور عارضًا أو مؤقتًا، بل جزءًا من مشروع متكامل لإعادة هندسة اليمن أمنيًا وسياسيًا بما يخدم مصالح إماراتية وخارجية. فمنذ وقت مبكر، سيطرت الإمارات على الموانئ والجزر والمطارات والسواحل ومواقع النفط والغاز، وركّزت على عسكرة الجنوب وبناء كيانات انفصالية وميليشيات مسلحة موازية للدولة. وهكذا انتقل دورها من مساندة الشرعية إلى تقويضها، ومن مواجهة الانقلاب إلى صناعة انقلابات موازية، والدفع نحو تقسيم اليمن بين سلطة انقلابية سلالية في الشمال وميليشيات انفصالية مسلحة في الجنوب.

ومع اتساع هذا المشروع ووصوله إلى حضرموت والمهرة، تفجّر الخلاف السعودي–الإماراتي، بعدما بات التمدد الإماراتي يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي السعودي. فحضرموت ليست مجرد محافظة يمنية استراتيجية، بل تمثل عمقًا أمنيًا مباشرًا للمملكة وخط دفاع متقدم عن أمنها. عندها تدخلت السعودية بحسم، وأنهت الدور العسكري الإماراتي المباشر، وأُخرجت الإمارات من المعادلة العسكرية في اليمن.


وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة وارتياح اليمنيين لها، فإن ما كشفته حضرموت بوضوح هو أن حرب اليمن لم تكن مجرد صراع داخلي بين «شرعية» و«انقلاب»، بل ساحة تنافس إقليمي على الجغرافيا اليمنية والنفوذ عليها. كما كشفت أن إدارة الفوضى تحوّلت إلى أداة نفوذ مقصودة، لا نتيجة جانبية للحرب، وأن تعطيل الشرعية ومشاريع التقسيم لم تكن أخطاء عابرة، بل سياسات مدروسة في صراع إقليمي أوسع.


وقد مثّل ما جرى اعترافًا ضمنيًا بأن تفكيك اليمن كما هو مرفوض من قبل اليمنيين هو لم يعد خيارًا مقبولًا، من منظور المصالح السعودية والإقليمية. فإذا لم يُصحَّح المسار باتجاه تمكين الدولة الوطنية، فإن كلفة الفوضى لن تبقى محصورة داخل اليمن، بل ستمتد إلى الإقليم بأسره، مهددة أمنه واستقراره، وفي مقدّمته أمن المملكة العربية السعودية.

هنا أوجه رسالة للملكة العربية السعودية :


إن الحسم السريع الذي تحقق في حضرموت والمهرة وشبوة وعدن لم يكن صدفة، لم يكن حدثًا عابرًا ، لقد ولد ثقة كبيره اليمنيين بتحول سعودي جاد في إدارة المعركة في اليمن بما يصب في استعادة دولته وحماية وحدة أراضيه ومنع تفكيكه، هذه الثقة الشعبية هي العنصر الأهم لأي معركة سياسية أو عسكرية قادمة.  


وبالمنطق نفسه يمكن تحقيق حسم مماثل إذا استمر هذا التوجه نحو استعادة صنعاء. وفي ظل هذا التحول، تبرز فرصة حقيقية لاستعادة الدولة اليمنية كاملة، بما يخدم مصلحة اليمن والأمن القومي السعودي والعربي معًا.
اليوم، ومع تراجع قدرة إيران على إدارة نفوذها الخارجي، وتقاطع ذلك مع موقع القوة الذي تقف فيه السعودية، باتت الخيارات واضحة: إما سلام شامل يقوم على نزع سلاح الحوثيين وضمان استقلال القرار الوطني ودمجهم سياسيًا كمكوّن مدني غير مسلح، أو حسم يعيد صنعاء ويكرّس معادلة الدولة الواحدة، تعقبه عملية سياسية بلا سلاح. 


الخطر الحقيقي هو البقاء في حالة اللاحرب واللاسلم، أسوأ الخيارات هو التردد، أو نقل رعاية الميليشيات بدل تفكيكها، أو التفكير بتقسيم اليمن إلى مناطق نفوذ. في هذه الحالة تُدار الأزمة بدل حلّها، وتُعاد تدوير الميليشيات بدل إنهائها. إن إبقاء اليمن في هذه المنطقة الرمادية يمنح الحوثيين وقتًا لإعادة بناء قوتهم والتسلل بخطاب الدولة والسيادة، وهو أخطر ما يمكن أن يحدث، لأن الميليشيا حين تتقمص لغة الدولة تصبح أكثر قدرة على التجنيد والتمدّد.
الطريق المسؤول الوحيد هو دعم الشرعية اليمنية دعمًا كاملًا، وتوحيد القوات في المناطق المحررة تحت قيادتها، وتقديم دعم اقتصادي حقيقي، وتمكين مؤسسات الدولة من إدارة المناطق المحررة، ثم المضي بثبات نحو استعادة صنعاء، سلمًا إن أمكن أو حسمًا إن فُرض..


هذا الموقف ليس غزلًا سياسيًا ولا تفويضًا مطلقًا لأحد. سأدعم أي مسار يخدم الجمهورية والوحدة وبناء الدولة، وسأعارضه بوضوح إن انحرف عن هذه الأهداف. فالمعادلة واضحة: يمن موحّد وقوي يشكّل عمقًا استراتيجيًا لجيرانه، بينما يمن ممزّق سيبقى مصدر استنزاف وعدم استقرار للمنطقة بأكملها.

رسالة إلى النخب السياسية اليمنية:

بلادنا جريحة، وشعبنا دفع أثمانًا هائلة، وأي تخلٍّ عن مهمة إنقاذه خيانة أخلاقية وتاريخية. على السلطة القائمة أن تعيد الاعتبار للمؤسسات، ولمعنى الدولة، وأن تقدّم نموذجًا محترمًا في المناطق المحررة. مجلس النواب يجب أن ينعقد، والرقابة يجب أن تُمارس، ولم يعد مقبولًا أن تبقى الشرعية خارج المساءلة.

اصنعوا نموذجًا ناجحًا، وسيسقط الحوثي في اللحظة نفسها. لا أعذار بعد اليوم. فإما أن تعتدلوا، أو تعتزلوا. لا أنتم ولا الحوثي قدرٌ مسلط على رقاب اليمنيين. سنكون معكم ما دمتم مع الجمهورية والوحدة ومصالح الشعب العليا، وسنقف ضدكم بلا تردد إذا انحرفتم أو فسدتم أو خنتم.


اعملوا من ان أجل إنهاء السلاح خارج الدولة، وقف اقتصاد الحرب، ورفض أي وصاية أو نفوذ خارجي. ولا يمكن أن ينجح هذا الطريق إلا إذا قدمت الدولة نموذجًا حقيقيًا في المناطق المحررة، يوفّر الأمن والخدمات، ويدير المال العام بوضوح. عندها فقط يكون السلام نتيجة طبيعية لبناء الدولة، لا هدنة مؤقتة تعود بعدها الحرب من جديد.

 وأخيرًا أيها اليمنيون الأحرار،


لقد جرى خلال السنوات الماضية تهميش السياسة وتحويلها من فعل وطني مسؤول إلى ممارسة مُدانة، حتى بلغ الأمر حدّ تحريم الحديث في الشأن العام، في جريمة كبرى فتحت الباب واسعًا أمام العنف والميليشيات والمشاريع الظلامية. حين تُغلق السياسة، يُسلَّم الوطن للسلاح، وحين يُقصى النقاش، يتقدّم التطرف وتتفشّى الفوضى.


لهذا، علينا أن نكون في غاية الحذر من شيطنة العمل السياسي، والأحزاب، والانتخابات، والديمقراطية، وحق المساءلة، لأن إغلاق المجال العام لا يخدم إلا الميليشيات والاصطفافات الضيقة.

ورغم قسوة الانقلاب والحرب، ظل الصراع في اليمن سياسيًا حول السلطة ومعنى الدولة، لا حربًا طائفية أو عرقية كما حدث في مجتمعات أخرى شهدت حروبًا وانقلابات مماثلة. وهذه شهادة على وعي المجتمع اليمني وتماسكه، وهي حقيقة يجب أن نفخر بها ونحافظ عليها. فاليمن لم يُهزم، لأن الشعوب لا تُهزم إلا حين تفقد معناها الأخلاقي، واليمنيون حافظوا على أخلاقهم وتماسكهم الاجتماعي، ومعهما حافظوا على فكرة الوطن وحلم الدولة.

السلام ممكن في اليمن، لأن المجتمع لم ينكسر، ولأن اليمنيين أثبتوا رغبتهم وقدرتهم على السلام، لهذا خرج اليمنيون في فبراير، ولهذا صمدوا، ولهذا ما زال مشروعهم حيًا رغم كل ما جرى.


فبراير لم تنتهِ، لأنها ليست يومًا في التاريخ، بل بوصلة للمستقبل؛ كلما ابتعدنا عنها ازداد التيه، وكلما عدنا إلى قيمها اقتربنا من طريق الخلاص.
المجد للشهداء،
الحرية للمعتقلين،
الكرامة لليمنيين جميعًا،
والنصر لليمن جمهورية عادلة، موحّدة، ديمقراطية.
المجد لليمن الجمهوري الكبير،
ورحم الله شهداء اليمن، وشفى الجرحى.

* كلمة بمناسبة الذكرى 15 لثورة 11 فبراير

مقالات

فبراير فتح بابًا للحوار لن تغلقه حماقات القوة

11 فبراير صنع لنفسه مكانًا متميزًا في تاريخ اليمن الحديث، شاء من شاء وأبى من أبى. تعرّض لتحديات كبيرة كغيره من الأحداث والثورات السياسية والاجتماعية التي شهدها اليمن، ولم يكن بذلك استثناءً كي يتعرض لكل هذا النقد والتشهير بسبب ما عاشه اليمن بعد ذلك من إخفاقات ومحاولة تحميله مسؤوليتها.

مقالات

محمد محسن عطروش: صيحة الاستقلال ونغمة لا تخطئ القلب

قرأت في سيرة الفنان محمد محسن عطروش أنه درس الأدب الإنجليزي في القاهرة، ثم عمل مدرسًا للرياضيات واللغة الإنجليزية في عدن، فحضرت في ذهني حلقات برنامج قديم في قناة السعيدة، مسابقة فنية كان يشارك فيها فنانون شباب، وكان عطروش في منصة التحكيم.

مقالات

تصعيد الحوثي تجاه بيت هائل.. لماذا الآن؟

اشتدت الحرب الحوثية على قطاع التجارة بشكل لافت بعد أن أقدمت الولايات المتحدة على تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية وفرضت عقوبات على جميع الشركات التجارية المحسوبة عليهم، والتي كانت تسعى لإحلالها كبديل في السوق لمجموعة بيت هائل.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.