مقالات

طارق صالح: من عبء على الحوثي إلى عبء على الشرعية

29/06/2025, 10:24:42

حين استولى الحوثيون على العاصمة صنعاء عام 2014، بدت الحاجة إلى أدوات صالح العسكرية والبيروقراطية ضرورة مرحلية. كان كمن يفتح لهم أبواب القلعة التي سيتحول لاحقًا إلى أسير داخلها. بقيت الحاجة لصالح إلى أن نجحت العصابة الحوثية في تجريده من أوراقه، وإلحاق أدواته بها، وإعادة تكييف أتباعه داخل الجهاز الإداري والعسكري للدولة، وربط مصالحهم بها مباشرة.

كون صالح أراد الشراكة معها، لا التبعية المطلقة لها. صارت تنظر إليه بوصفه عبئًا عليها. لم يصبح عبئًا على لأنه غريب عنها، بل لأنه حاول أن يكون جزءًا منها دون أن يتخلى عن موقع الفاعل الشريك والمستقل. داخل عصابة عنصرية مُغلقة لا تتسامح مع فكرة وجود شركاء، ولا تعرف إلا التابعين، تغدو كل محاولة للشراكة تحديًا وجوديًا.

تحوّل هذا التداخل إلى صراع على النفوذ والسلطة والقيادة مع عصابة منغلقة ترفض الازدواج والشراكة. لم تكن المسألة مجرد تنازع على المناصب، بل نزاع على من يمتلك تعريف ما هو سلطة وما طبيعة العلاقة بين الطرفين وما هو ممكن داخل السلطة التي استولى الحوثي عليها بالقوة. في فبراير 2015 أعلن الحوثيون حل البرلمان وإصدار "الإعلان الدستوري".  بدا ذلك كمحاولة جذرية منهم لنفي الحليف المؤقت، لا لتحجيمه فقط.

لكن الحرب لا تتيح ترف الإقصاء التام حتى أمام جماعة تنهج سلوك يقوم على الغاء الآخرين وليس مجرد إقصائهم. فبعد أسابيع ستبرز تطورات ومتغيرات تُشعر الحوثيين بالحاجة إلى صالح مجددًا. توسعت خارطة المقاومة الشعبية في عدن، وامتدت إلى تعز، وبعد أربعين يومًا من إعلان اللجنة الثورية الحوثية، أعلنت السعودية في أواخر مارس 2015 تشكيل تحالف عربي وتدخلت عسكريًا.

الحاجة أعادت صالح إلى المشهد، لكنها كانت عودة مشروطة بالانخراط العسكري، لا بالشراكة السياسية. هنا، دخلت البنية الحوثية في تناقضها الداخلي: فهي بحاجة إلى أدوات صالح، لكنها ترفض حضوره كشريك أو ذات مستقلة. مارست أقصى درجات السيطرة في محاولة امتصاصه ثم تفكيكه من الداخل.

 

 في تلك المرحلة، امتلك صالح قدرًا من التأثير على القرار والقيادة، سواء في إدارة الشؤون السياسية والمالية والإدارية في أجهزة السلطة بصنعاء، أو على مستوى القيادة العسكرية. حدث تداخل وتنافس وتصادم في الإدارة واتخاذ القرار وقيادة العمليات العسكرية. الجماعة، التي لا تثق بأحد، وتعتبر الجميع أعداء محتملين، وتقوم عقيدتها السياسية والعسكرية على السرية المطلقة والقيادة الموحدة، وجدت نفسها أمام طرف ينازعها القيادة والإدارة والقرار.

حين بدا صالح فاعلًا مؤثرًا في القرار، ارتبكت القيادة الحوثية، إذ وجدت نفسها أمام طرف أرادته أداة وأصبح يتصرف كشريك يحوز على عناصر قوة: الولاء العسكري، العلاقات القبلية، الذاكرة والأجهزة البيروقراطية والأموال.

ظهر التوتر الداخلي داخل الجماعة ذات البنية الهرمية شديدة الانغلاق. وجود صالح، برمزيته، بتاريخه، بقدراته العسكرية بشبكة علاقاته، خرق وحدة القيادة التي تعوّدت على الطاعة المطلقة دون نقاش. لم يعد مجرد عبء، بل تهديدًا وجوديًا لطبيعة التنظيم الحوثي الذي بنى سلطته على مركزية القرار والقيادة وخنق أي تعددية.

بدأت الجماعة تحتفظ بخططها العسكرية الخاصة. إنها من نوع الجماعات السرية والمغلقة التي تحتفظ بتنظيمها الخاص الذي يضمن لها القدرة على تجريد صالح تدريجيًا من أدواته العسكرية والأمنية والمدنية والمالية والقبلية، ومن كل أوراق القوة التي، إن نجح في الاحتفاظ بها، ستساعده على فرض نفسه ليس كأداة أو تابع كما تريده، وإنما كحليف يتصرف من موقع الشريك المؤثر في القرار والمكاسب.

كان لا بد من التخلص منه. وحين حانت اللحظة الملائمة للتخلّص من عبء صالح، تخلّصت الجماعة ممّا اعتبرته "رأس العبء" بتصفيتها لصالح. لم يكن اغتيالًا فقط، بل إعلان نهاية مرحلة: مرحلة التعايش القسري مع فكرة لم تكن تنتمي إلى منطق الجماعة.

نجا طارق صالح من هذا المصير. لكنه خرج معزولًا، مذعورًا، بلا هوية سياسية واضحة. كان، كما يبدو، ناجيًا بلا قضية، يتحدث بلغة لا تنتمي إلى زمن المقاومة وحرب التحرير.

انتقاله إلى المعسكر الآخر لم يكن فعلًا سياسيًا حرًا، بل هروبًا من فاجعة. في ظهوره الأول بمحافظة شبوة، لم يبدُ كقائد يدعو للمقاومة، بل كمصاب بجرح شخصي يبحث عن خلاص فردي. كمنكسر يبحث عن ملجأ. لم يكن يحمل خطابًا مغايراً، بل صدى لما فعله به الحوثيون. بدا أقرب إلى شخص خرج من مجزرة شخصية ولم يدخل بعدُ في قضية وطنية عامة. كانت الفجيعة تسبق الموقف. لا نية للثأر، لا مشروع للمستقبل، لا فكرة عن المعركة القادمة.

في أول ظهور بعد نجاته من الحوثيين، في يناير 2018 عبر فيديو مصور بمحافظة شبوة دعا طارق صالح إلى الحوار وطالب السعودية بـ"إنهاء الحرب ورفع الحصار عن الشعب اليمني". قال إنه يمد يده للأشقاء في المملكة العربية السعودية لإنهاء الحرب!

ثم أعيد دمجه لاحقاً، لا عبر القتال، بل عبر رغبة القوى الإقليمية في توزانات يمكن التحكم بها. حُدّدت له الجغرافيا الجاهزة، ورُسم له الدور. وبدلاً من أن يكون خصمًا للحوثيين، صار جزءًا من مسرح يتيح لهم البقاء بفضل الجمود على الجهة المقابلة. سُمح له بالكلام، لا بالفعل. بالحضور، لا بالمبادرة.

أدائه ظلّ مأزوماً ولا يعكس أي إرادة لتحرير البلاد من الإمامة. بل يبدو كمن يُفاوض على بقعة من الأرض المحررة. مشغول بإظهار نفسه كعسكري منضبط، لا كقائد لحرب تحرير. لم يخض المعارك، بل يمثّلها. لم يُعرف عنه خوض معركة فعلية واحدة، بل كان عنوانه الأبرز هو الانسحاب: من الحديدة إلى الخوخة. صمتٌ بارد إزاء المعركة المصيرية، وضجيج دعائي في مواجهة حلفاء يفترض أنهم على الضفة ذاتها.

حضوره العسكري استعراضًا أكثر منه فعلاً. لم يكن ينقصه الزي الرسمي أو الانضباط الشكلي، بل الإرادة والرؤية والسياسة. العدو الذي نجا منه لم يعد عدوه الأول، بل صار غائبًا عن جهازه الإعلامي وأدائه السياسي، وكأن الحوثيين أصبحوا قدرًا لا يُرد.

انتقل من هامش الحوثي إلى قلب "الشرعية"، يعيد إنتاج العبء ذاته. لكنه عبء لا يتمثل في الحجم أو النفوذ، بل في نزع المعنى عن الفعل السياسي والعسكري. يبدو متورطًا أكثر في صراعات السلطة على السلطة، في المزايدة على أشلاء الشرعية، لا في إعادة إنتاج مشروع تحرير وطني.

لا يمتلك قرار خوض معركة التحرير التي يتحدث عنها، ولا أحد يمكنه تحميل طارق صالح مسؤولية الجمود العسكري. هذه مسألة تعود إلى عوامل وأسباب عديدة: ذاتية تتعلق بالمكونات التي تتألف منها الشرعية، وضعف إرادة القتال لديها، وغياب الانسجام فيما بينها، وسوء أدائها وفشلها على مختلف مستويات إدارة الخدمات العامة؛ وعوامل موضوعية تتصل بدول التحالف وحساباتها، وتبعات الصراع بين السعودية والإمارات وتأثيره المدمّر على اليمن ومسار معركتنا مع الإمامة الحوثية.

لكن هذا لا يتيح لطارق صالح التعامل مع بقاء الحوثي كمسلّمة، تستلزم عدم الاهتمام بأي شكل من أشكال الإعداد والاستعداد، أو مراكمة القوة والتعبئة العامة لكسر هذه الحلقة، وبناء الجاهزية التي تتيح القدرة على التحرك وخوض الحرب في الظرف الملائم، والاستفادة من أي فرص قد تأتي بها متغيرات أو ظروف محلية أو خارجية.

في الواقع، لم يتخذ طارق سياسة أو يضع خططًا فعلية تنظر إلى الحوثيين كتهديد حاسم يتطلب تركيز كل القوام والطاقة والجهد لهزيمته أو حتى لإضعافه. يبدو طارق مكتفيًا بما لديه من الأرض، ومنجذبًا إلى الصراعات داخل معسكر المقاومة والشرعية، ومكرّسًا جهازه السياسي والإعلامي للمزاحمة داخل السلطة، ومحاكاة الحكومة الشرعية في أسوأ ما فيها.

ما يفعله جهازه الإعلامي تجاه تعز، تحديدًا، يتجاوز مجرد المكايدة السياسية. إنه إسهام مباشر في تآكل القضية التي كان يُفترض أن يقف في صفها. تعز، المدينة التي خانها وشن الحرب عليها قبل أن ينتقل إليها مضطراً، ومع ذلك امتصت رغبة الانتقام العادل منه ولم تَخُنه.

يرفض دمج مديريات ساحل تعز ضمن سلطة المحافظة العسكرية والأمنية والمدنية، ويقترب أكثر من أصحاب التوجهات المُولعة بتوظيف كل حدث، مهما بلغت تفاهته، واستثماره سياسيًا على نحو يدعم مقولة فشل خيار المقاومة، ويغذي المقولات القروية عن عدم جدارة "أصحاب تعز"، وأنهم "ليسوا رجال دولة"، ويُكرّس قناعات من النوع الذي يقود إلى احتقار الذات، مثل الحديث عن أن الحل في تعز يكمن في تولي قيادة عسكرية ومدنية من خارجها. أي منه.

آلية الدعم الهزيلة في الجوانب الإنسانية لا تخلو من البهلوانية، ومحاولة استثمارها باتجاه يرسّخ فشل الجميع في تعز، باستثناء طارق صالح. حتى لو كانت المساعدة تتعلق بمريض وتُقدَّم عبر "الخلية الإنسانية"، فلا بد أن ترافقها حملة إعلامية، ليس فقط لترويج وتسويق تلك المساعدة البسيطة، بل لتأكيد الصورة الدعائية: العميد يحضر حيث تغيب قيادة تعز.

ما يجري لا يعكس فقط فشلًا في تقديم مزيدا من خيارات التحرير، بل مشاركة نشطة في التمكين للنكوص. لا يقاتل الحوثيين، لكنه يسهم في تسويق سردياتهم: أن المقاومة فاشلة، وأن "أبناء تعز" ليسوا رجال دولة، وأن علينا استيراد قيادة لها، ربما من الساحل.

في النهاية، يمكن القول إن طارق صالح لم يغادر منطق كونه أداة في يد أحد. لم يُنتج خطابًا ولا مشروعًا ولا رؤية. لم يُجرِ قطيعة مع إرث عمه، ولم يُبنِ سردية تخصه. هو اليوم عبء على شرعية لا تملك مبادرة فعلية، كما كان بالأمس عبئًا على جماعة لا تطيق وجود فاعل مستقل داخل منظومتها المُغلقة.

مقالات

هذا ما يمكن أن تقرأه عندما "تفتش" في عقل ترمب

قد يجد المتابع طريقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للحرب ضد إيران نفسه مربكا بين ما يريده ترمب بالفعل، وبين سيل التصريحات المتدفقة التي تعبر عن شخصيته النرجسية واعتداده بذاته، أو تلك التي تعبر عن عقلية التاجر الذي يمارس كافة أشكال المناورة، ورفع الأسعار وسياسة حافة الهاوية، أو تلك التي يرغب من خلالها أن يظل هو "مركز الحدث"، والعنصر المحرك في الإعلام؛ حتى لو اقتضى ذلك "ماكينة" لا تتوقف عن التصريحات المضللة.

مقالات

شهادة حول الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي

لم أكن قد التقيت به أثناء زياراتي لعدن، إذ كان العقيد عبد ربه منصور هادي من الصف الثاني في قيادة شطرنا الجنوبي، كان ضابطاً وقائداً محترفاً مؤهلاً في الجيش، إذ التحق به أثناء الاستعمار البريطاني، وتلقى دراسته العسكرية في بريطانيا، زميلاً للعقيد معمر القذافي، ثم في مصر، وأخيراً في الاتحاد السوفييتي

مقالات

المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر

حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.

مقالات

رئيس في دولة استعصت على الحكم

تولى هادي السلطة في لحظة انتقالية شديدة الهشاشة، خرجت من بنية دولة مثقلة بالصراع ومراكز القوى المتراكمة، ثم انفتحت على فضاء إقليمي ودولي لم يعد فيه القرار اليمني قرارًا مستقلًا بالكامل. ومن هنا، يصبح اختزال تجربته في ثنائية “نجح” أو “فشل” تبسيطًا مخلًا، لأن قواعد اللعبة السياسية نفسها كانت قد انهارت أو تشوّهت منذ البداية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.