مقالات

رئيس في دولة استعصت على الحكم

28/05/2026, 21:01:23

تولى هادي السلطة في لحظة انتقالية شديدة الهشاشة، خرجت من بنية دولة مثقلة بالصراع ومراكز القوى المتراكمة، ثم انفتحت على فضاء إقليمي ودولي لم يعد فيه القرار اليمني قرارًا مستقلًا بالكامل. ومن هنا، يصبح اختزال تجربته في ثنائية “نجح” أو “فشل” تبسيطًا مخلًا، لأن قواعد اللعبة السياسية نفسها كانت قد انهارت أو تشوّهت منذ البداية.

لكن هذا لا يعفي الرجل من الأسئلة الصعبة.

فقد ارتبط اسمه بمرحلة اتسمت بضعف الحسم السياسي، وتذبذب القرار، والارتهان لتوازنات الداخل والخارج، حتى بدا في كثير من اللحظات أقرب إلى إدارة أزمة دائمة لا إلى قيادة دولة. قرارات متأخرة، ومواقف غامضة، وردود فعل أكثر من كونها مبادرات، في لحظة كانت تتطلب مركز قرار صلبًا لا مجرد موقع رمزي يتحرك بين الضغوط.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا الضعف لم يكن خارج سياق أوسع وأكثر قسوة: بنية صراع متعددة الرؤوس، لم تكن “معارضة” النظام السابق وحدها، بل حتى قوى وُصفت بأنها ضمن “الشرعية” نفسها، ساهمت في تفكيك الدولة وإعادة توزيع نفوذها وفق مصالح متناقضة. وهكذا لم يعد الرئيس في مركز السلطة، بل في قلب ساحة صراع مفتوحة، تتنازعه أطراف تتفق أحيانًا على إضعافه رغم اختلاف مشاريعها.

لكن السؤال الأهم: هل كان ذلك مجرد عجز شخصي؟ أم أن النظام السياسي برمّته كان مُصممًا ليمنع أي مركز سلطة من أن يستقر أصلًا؟

في هذا المعنى، لم يكن تعثر المرحلة نتيجة طرف واحد، بل نتيجة تقاطع فشلين: فشل فردي في إنتاج قرار حاسم، وفشل بنيوي في السماح بقيام دولة مستقرة أصلًا.

ومع ذلك، هناك زاوية لا تُناقش كثيرًا: رغم كل شيء، لم ينخرط هادي بشكل كامل في مشاريع التفكيك وإعادة تشكيل اليمن على أسس مجزأة، كما فعلت أو سعت إليه أطراف محلية وإقليمية متعددة. هنا تصبح المفارقة أكثر تعقيدًا: لو أنه اختار التماهي الكامل مع تلك المشاريع، ربما كان سيحصل على دعم أقوى واستقرار أكبر، لكنه كان سيصبح جزءًا من إعادة صياغة البلاد خارج فكرة الدولة الواحدة.

وبين هذين المسارين، تتكشف إشكالية المرحلة كلها: هل كان المطلوب من هادي أن يكون “رئيس دولة” أم مجرد أداة إدارة انتقال طويل في دولة تتآكل من الداخل والخارج؟

في النهاية، تجربة هادي ليست سيرة شخصية بقدر ما هي اختبار قاسٍ لفكرة الدولة نفسها في اليمن: دولة تُنتج مراكز قوة متعددة، ثم تطلب من شخص واحد أن يحكمها كأنها مركز واحد.

- نقلا عن صفحة الكاتب في فيس بوك

مقالات

هذا ما يمكن أن تقرأه عندما "تفتش" في عقل ترمب

قد يجد المتابع طريقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للحرب ضد إيران نفسه مربكا بين ما يريده ترمب بالفعل، وبين سيل التصريحات المتدفقة التي تعبر عن شخصيته النرجسية واعتداده بذاته، أو تلك التي تعبر عن عقلية التاجر الذي يمارس كافة أشكال المناورة، ورفع الأسعار وسياسة حافة الهاوية، أو تلك التي يرغب من خلالها أن يظل هو "مركز الحدث"، والعنصر المحرك في الإعلام؛ حتى لو اقتضى ذلك "ماكينة" لا تتوقف عن التصريحات المضللة.

مقالات

شهادة حول الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي

لم أكن قد التقيت به أثناء زياراتي لعدن، إذ كان العقيد عبد ربه منصور هادي من الصف الثاني في قيادة شطرنا الجنوبي، كان ضابطاً وقائداً محترفاً مؤهلاً في الجيش، إذ التحق به أثناء الاستعمار البريطاني، وتلقى دراسته العسكرية في بريطانيا، زميلاً للعقيد معمر القذافي، ثم في مصر، وأخيراً في الاتحاد السوفييتي

مقالات

المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر

حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.