مقالات

خوف الخوف

22/08/2025, 11:55:59

يشن الحوثيون حملة اختطافات ضد قيادة المؤتمر في صنعاء، بعد أن أعلن الحزب تخليه عن إقامة أي فعالية بمناسبة ذكرى تأسيسه. نحن أمام صورة مكثفة لجوهر العلاقة التي تقيمها السلالة مع اليمنيين: علاقة قائمة على الارتياب الشامل، ورؤية كل طرف يمني حتى الأكثر إذعاناً كعدو متأهب.

السلالة لا تقبل فكرة الشراكة أصلاً، لأن الشراكة تفترض قدراً من المصالح المتبادلة وقدراً من المساواة أو الندية، ولو في إطار رمزي. أما مشروعها، القائم على وهم "الحق الإلهي" وتفوق السلالة، فيغلق الباب أمام أي اعتراف بآخر. 

قضت على صالح زعيم المؤتمر، رغم تحالفه معها لسنوات، وتجرجر قيادات حزبه اليوم إلى السجون رغم أنهم تحولوا إلى كيان شاحب يفتقر لأي قدرة على الاستقلال.

الحوثيون يعتمدون على الخوف كآلية للهيمنة عن طريق توزيعه على الناس، لكنهم يعيشون الخوف في أعماقهم بجرعة أكبر. يعيشون زمنيين في وقت واحد. زمن القوة والهيمنة الآنية وزمن الانهيار والسقوط المحتمل. يتصرفون وكأن مستقبل سقوطهم قد تسرب إلى الحاضر يحاصرهم. 

كل جريمة وكل خطاب، كل اعتقال، وكل قمع، هو محاولة  فاشلة لمحو مستقبل سقوطهم الذي يرونه رأي العين. يتصرف الحوثي كمن يجلس في مشهد محاط بالولاء والطاعة وفائض بالهتافات والتأييد ووجوه الناس المنحنية أمامه، بينما يسمع في أذنه همس السقوط القادم. همس لا يتوقف. سقوطنا قادم. لم يقع السقوط فعلاً، لكنه يتسرب ويخيم عليهم. يعيشون يقيناً خفياً بأن النهاية تقترب، وأن حاضر القوة والهيمنة والتماسك محاصر بظل الإنهيار القادم.

يشنون الاعتقالات الأخيرة رغم أن المؤتمر أعلن ولاءه وتنازل حتى عن ذكرى تأسيسه. خضوع المؤتمر وطاعته لا تُطمئنهم. انها تزيد ارتباكهم، وتدفعهم إلى طلب إذلال إضافي.

 ما يجري محاولة لتحويل المؤتمر في صنعاء إلى مشهد حي للذل العام. السلالة حين تهيمن لا تكتفي بكسر الخصوم. انها تحرص على إفراغهم من أي معنى أمام اليمنيين وتجريدهم من كرامته الرمزية.

كل هذه الاختطافات والملاحقات ضد قيادات المؤتمر لماذا؟ لأنهم استجابوا لضغوط الحوثي وأعلنوا تخليهم عن القيام بأي نشاط أو فعالية بذكرى تأسيس الحزب!

مجرد بقاء كيان سياسي يمني يحمل اسماً خاصاً غير هاشمي خالص يصنف باعتباره خطراً. وجود المؤتمر، حتى وهو جسد مترهل وخاضع، يذكّر اليمنيين بأن هناك إمكانية لشيء آخر غير هيمنة الحوثي. هذه الإشارة وحدها كافية لتثير رعب السلالة.

طاعة المؤتمر التي انتزعها الحوثي بالسوط والسلاح لا تجلب له الطمأنينة، بقدر ما تتحول إلى لعنة. يرى في صفوف المطيعين جمهوراً يمنياً لا يثق بدمه ولا ابتسامته. كيف يثق بدم غير هاشمي؟ لا يطمئن سوى لقوم يثق بهاشمية دمهم. أما طاعة اليمنيين فيراها مكراً وتمثيلاً. يرى إخلاص القبيلي وطاعته مجرد نفاق وتمويه وخداع. إنها طاعة سامة قاتلة أشبه بشربة ماء مالح تزيد العطش. يرى الحوثي خلف كل طاعة قبلية، فخاً منصوباً. فيستبدل الرضى عن المطيعيين بالمزيد من القمع والإذلال. كلفة الخضوع والطاعة للسلالة أكبر من كلفة الابتعاد عنها، وأكبر من كلفة مقاومتها مهما كانت قاسية.

ما يمكن فهمه في حملة الاختطافات والملاحقات والقمع ضد قيادة المؤتمر رغم خضوعه؟ كلما ازداد خضوع المؤتمر أو القبائل للسلالة الحوثية، ازداد الخوف في صدور قادتها.

الحوثية قادمة من إرث سلالة عنصرية تريد أن يذوب العالم كله داخلها، وأي إشارة إلى تنوع أو تعددية أو كرامة فردية أو وطنية تُقرأ كتهديد لوجودها. مؤتمر أبو رأس لم يكن مطالباً فقط بترك الاحتفال بذكرى تأسيسه، كان مدعواً عملياً إلى محو ذاته.

تبدو الحوثية كما هي في حقيقتها: سلالة مغلقة تمسك بكل شيء وترتعد من كل شيء. سلطة سلالية مذعورة غير مطمئنة، تعيش في رعب متصل لا يتيح لها أي أفق. لا تحتمل حتى وجود حزب منزوع القدرة ومجرد من القوة. كل شيء عندها يُقرأ بلغة التهديد. يتحول الخوف من أداة تهيمن الحوثية من خلالها إلى غول يلتهمها. تهيمن بالخوف لكنها غارقة فيه. 

مقالات

هذا ما يمكن أن تقرأه عندما "تفتش" في عقل ترمب

قد يجد المتابع طريقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للحرب ضد إيران نفسه مربكا بين ما يريده ترمب بالفعل، وبين سيل التصريحات المتدفقة التي تعبر عن شخصيته النرجسية واعتداده بذاته، أو تلك التي تعبر عن عقلية التاجر الذي يمارس كافة أشكال المناورة، ورفع الأسعار وسياسة حافة الهاوية، أو تلك التي يرغب من خلالها أن يظل هو "مركز الحدث"، والعنصر المحرك في الإعلام؛ حتى لو اقتضى ذلك "ماكينة" لا تتوقف عن التصريحات المضللة.

مقالات

شهادة حول الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي

لم أكن قد التقيت به أثناء زياراتي لعدن، إذ كان العقيد عبد ربه منصور هادي من الصف الثاني في قيادة شطرنا الجنوبي، كان ضابطاً وقائداً محترفاً مؤهلاً في الجيش، إذ التحق به أثناء الاستعمار البريطاني، وتلقى دراسته العسكرية في بريطانيا، زميلاً للعقيد معمر القذافي، ثم في مصر، وأخيراً في الاتحاد السوفييتي

مقالات

المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر

حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.

مقالات

رئيس في دولة استعصت على الحكم

تولى هادي السلطة في لحظة انتقالية شديدة الهشاشة، خرجت من بنية دولة مثقلة بالصراع ومراكز القوى المتراكمة، ثم انفتحت على فضاء إقليمي ودولي لم يعد فيه القرار اليمني قرارًا مستقلًا بالكامل. ومن هنا، يصبح اختزال تجربته في ثنائية “نجح” أو “فشل” تبسيطًا مخلًا، لأن قواعد اللعبة السياسية نفسها كانت قد انهارت أو تشوّهت منذ البداية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.