مقالات

الحوثي.. سيد المخدرات

25/07/2025, 18:59:19

برزت تجارةُ المخدرات كأداةٍ حوثيةٍ موازية، ذاتِ مردودٍ مزدوج: تمويلِ حربها العسكريةِ على البلد، وضربِ مجتمعِنا من داخله.

خلال النصف الأول من عام 2022، تكشّفت شبكةُ تهريبٍ إيرانيةٌ حوثيةٌ، تجاوزت قيمةُ الشحناتِ المضبوطةِ منها 400 مليون دولار، وهو رقمٌ لا يمثلُ جريمةً منظمةً فقط، بقدرِ ما يعكسُ نطاقَ اقتصادِ حربٍ يتجاوزُ العصابةَ الحوثيةَ إلى منطقِ دولةٍ موازيةٍ تُدارُ بعقيدةٍ عنصريةٍ، وسوقٍ سوداء، وتجارةِ مواردٍ إجرامية.

يتوسّعُ تهديدُ عصابةِ الحوثي ليأخذَ طابعًا مركّبًا يتجاوزُ السلاحَ والمواجهةَ العسكريةَ، ليشملَ بناءَ نظامٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ قائمٍ على الإذعانِ والمخدرات، من الإنتاجِ والتهريبِ، إلى التوزيعِ والتجنيد.

المعطياتُ الرسميةُ تشيرُ إلى أن الحوثيين يديرون، عبر شبكاتٍ محليةٍ ودوليةٍ، تجارةً ضخمةً تشملُ الحشيشَ والهيروينَ وحبوبَ الشبو والكبتاغون، ضمن امتدادٍ إقليميٍّ تشاركُ فيه إيرانُ وحزبُ الله، وسابقًا نظامُ الأسد.

التحولُ يعكسُ بوضوحٍ ما يمكنُ تسميتُه بعسكرةٍ قسريةٍ للمنطقةِ الواقعةِ تحت احتلالِ الحوثيين، عبرَ الاقتصادِ المدمّر، ويُستخدمُ المخدّرُ كوسيلةٍ لإعادةِ تشكيلِ فئاتٍ شابةٍ في مساحةِ الفراغِ الكبيرِ والعطالةِ الواسعةِ الناتجةِ عن حربِ الإمامةِ، وضمانِ ولاءِ مجنّدين فاقدين للتوازنِ النفسيِّ والسياسي.

فورَ اجتياحِ العاصمةِ صنعاء، واستيلائِها على مؤسساتِ الدولة، أطلقت عصابةُ الحوثي عددًا من تجّارِ المخدرات، ووفّرت لهم الحمايةَ والدعمَ، مقابلَ دمجِ أنشطتِهم ضمنَ العملياتِ التي تديرُها الجماعةُ منذ أكثر من عقد.

كانت ترى فيهم منافسين لأنشطتها قبل أن تستولي على الدولة. رأت التهديدَ في منافستهم لها، وليس في تجارتهم للمخدراتِ ذاتها. كان هؤلاءِ التجّارُ والمهربون زملاءَ للعديدِ من قادةِ الجماعةِ في صعدة.

حرّرتهم من السجن لا ليعملوا معها كشركاءَ وزملاءَ في تجارةٍ وتهريبٍ للمخدرات، وإنما كأدواتٍ لها.

شبكةُ التهريبِ الحوثيةُ تتمُّ ضمن خططٍ تشملُ منافذَ بريةً وطرقًا بحريةً، وتتوزّعُ المهامُ على متعهّدين وخلايا محليةٍ متصلةٍ بالمركزِ الأمنيِّ الحوثي. 

هذه المعلوماتُ لم تَعُد جزءًا من الشكوك، فعددُ الشحناتِ المضبوطةِ دوليًّا، وحجمُ المخدرات، وأنواعُها، والأساليبُ المتبعة، تؤكدُ وجودَ منظومةِ تهريبٍ محترفةٍ ومدارةٍ مركزيًّا.

شهد اليمنُ تحوّلًا لافتًا في طبيعةِ تجارةِ المخدرات، التي كانت لفترةٍ طويلةٍ محصورةً ونادرةً، إلى ظاهرةٍ متّسعةٍ ومهددةٍ بأبعادِها الأمنيةِ والاجتماعيةِ والاقتصادية، نتيجةً لاستيلاءِ العصابةِ الحوثيةِ على مؤسساتِ الدولةِ واجتياحِ صنعاء. 

هذا الاجتياحُ لم يكنْ مجردَ استيلاءٍ على السلطةِ السياسية، بل انزلاقًا إلى بناءِ شبكةٍ متكاملةٍ من التهريبِ والجريمةِ المنظمةِ، أخذت شكلَ الدولةِ الموازي التي تديرُ اقتصادَ المخدراتِ وتوظّفه في تمويلِ مشروعِها الإقليمي.

إمبراطوريةُ المخدراتِ الحوثية، التي يقودها عبدُالملك الحوثي، ليستْ مجردَ شبكةِ تهريبٍ محلية، نحنُ أمامَ نظامٍ اقتصاديٍّ وسياسيٍّ تمتدُّ جذورُه إلى أذرعِ الحرسِ الثوريِّ الإيراني، الذي صنّفته العديدُ من الجهاتِ كأخطرِ شبكةِ مخدراتٍ في الشرقِ الأوسط.

تؤكدُ مزيدٌ من المعطياتِ أن امتداداتِ الشبكةِ الحوثيةِ في تجارةٍ وتهريبِ المخدرات، لا تقتصرُ على الحدودِ اليمنية، بل تصلُ إلى حزبِ الله اللبناني، ونظامِ بشار الأسد، وقادةِ الحرسِ الثوريِّ الإيراني، وتشملُ أيضًا روابطَ مع كارتيلاتِ مخدراتٍ دوليةٍ في المكسيك وكمبوديا، فضلًا عن دولِ أمريكا اللاتينية الأخرى.

تستندُ هذه الصورةُ إلى معلوماتٍ استخباراتيةٍ لدولٍ خليجيةٍ كشفت عن أساليبَ جديدةٍ تعتمدها إيرانُ في تهريبِ الأسلحةِ والمخدراتِ إلى الحوثيين، من خلالِ تعاونِها مع تجّارِ مخدراتٍ في كولومبيا. 

هذا التعاونُ يتجاوزُ التقاليدَ الإقليمية، ويعكسُ شبكةً عالميةً متشابكةً من المصالحِ التي تربطُ بين منظماتٍ إجراميةٍ وجماعاتٍ مسلحةٍ وعصاباتِ تهريبٍ دولية، في تحالفٍ غامضٍ وفعّالٍ يدمجُ بين السياسةِ والجريمةِ المنظمة.

لم تَعُدْ صعدةُ وصنعاءُ مجردَ نقاطِ عبور، وإنما مراكزُ تخزينٍ وتوزيعٍ، وفي بعضِ الحالاتِ، مواقعُ إنتاج. الجماعةُ تستندُ إلى مرافئَ بحرية، وتمتدُّ خطوطُها إلى الشواطئِ الغربيةِ والحدودِ البريةِ المفتوحة.

مقالات

ماذا تصنع قوات طارق في الوازعية؟

كل المؤشرات المرتبطة بالتصعيد غير المنضبط في مديرية الوازعية تبرهن على أن قوات "المقاومة الوطنية" بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق محمد عبد الله صالح، ترتكب أخطاء قاتلة في هذه المديرية التي يُعرف أهلها بقدر كبير من الصلابة في الدفاع عن كرامتهم وحريتهم، وقد أثبتوا خلال السنوات العشر الماضية جدارة في القتال ضمن المقاومة الشعبية في مواجهة جماعة الحوثي الانقلابية.

مقالات

الشرعية: صراع على الهامش

بدو الشرعية اليمنية اليوم بعيدة عن قلب المعركة التي يفترض أن تخوضها. فبدلًا من أن توجّه طاقتها إلى استعادة الدولة، وترميم المؤسسات، وتوحيد الجبهة المناهضة للانقلاب، انزلقت إلى صراعات جانبية على النفوذ والمواقع، وتوزعت قواها بين ولاءات متنافسة، وتشكيلات مسلحة متجاورة، ورعاة خارجيين يضبطون الإيقاع ويحددون حدود الحركة. وعلى امتداد هذا المشهد، تتآكل فكرة الدولة تدريجيًا، ويتحول ما تبقى من الجغرافيا الخارجة عن سيطرة الحوثيين إلى مساحات مفتوحة لتصفية الحسابات، وإعادة توزيع القوة، وإدارة المجتمعات المحلية بأدوات الغلبة.

مقالات

إيران.. ثبات الأهداف وتغيّر الأقنعة

حين ننظر إلى التاريخ الإيراني من زاوية ممتدة، لا كوقائع متفرقة بل كسلسلة متصلة من الأفكار والأنماط، يتبدّى لنا أن التحولات الكبرى التي عرفتها إيران لم تكن في جوهرها انقطاعات حادة، بقدر ما كانت إعادة تشكيل لمشروع

مقالات

هل السعودية لم تفهم اليمن بعد؟!… قراءة في مأزق السياسة والخيارات!

ليست المشكلة في أن السعودية لا ترى ما يحدث في اليمن، لكنها تقرأه بعدسة تختزل التعقيد في ظواهر سطحية، وتتعامل مع القوى الفاعلة باعتبارها أوراقاً قابلة للمساومة، لا تعبيرات عميقة عن بيئات اجتماعية ونفسية وتاريخية متجذّرة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.