مقالات

استعادة الدولة تبدأ بتوحيد القرار

10/09/2026, 23:26:58
بقلم : علي عشال

تحكم حركة التاريخ سننٌ صارمة لا تحابي أحدًا، ولا تمنح نتائجها لمن يكتفي برفع راية الحق أو الاستناد إلى عدالة القضية، وإنما لمن يُحسن الأخذ بأسباب النصر، ويدرك طبيعة الصراع، ويعرف كيف يحشد عناصر القوة ويوجهها في الاتجاه الذي يخدم غايته. فالمشكلة في مسارات التدافع بين الناس نادرًا ما تكون في عدالة النضال بقدر ما تكون في كفاءة إدارته، وفي قدرة أصحابه على تحويل الإيمان بالقضية إلى مشروع منظم، وقرار موحد، وفعل سياسي ومؤسسي تتكامل فيه الإرادة مع القدرة.

ومن هذا المنظور، ينبغي أن تُقرأ معركتنا الكبيرة التي نخوضها اليوم في مواجهة المشروع الحوثي الانقلابي، بوصفها أكثر من مجرد جولة في صراع سياسي طال أمده. إنها معركة مصيرية تتصل بجوهر الدولة وهويتها، وبمستقبل النظام السياسي والاجتماعي الذي سيحدد شكل الحياة في اليمن لعقود مقبلة. فقد دفع اليمن ثمنًا باهظًا نتيجة الانقلاب على الشرعية والمؤسسات، فصراعنا اليوم مع مشروع سلالي يسعى إلى فرض ذاته بالقوة، الأمر الذي جعل استعادة الدولة استحقاقًا يتجاوز الحسابات الظرفية، ويتطلب رؤية تتسع لحجم اللحظة التاريخية.

ومن هنا، فإن هذه المعركة لا ينبغي أن تبقى أسيرة ردود الأفعال، أو أن تُدار بعقلية التجزئة وتعدد المسارات، وإنما تحتاج إلى مراجعة جادة لطرق إدارتها، واستيعاب عميق لدروس السنوات الماضية، والانتقال من إدارة معركةً إلى صناعة مسار واضح لاستعادة الدولة.

وفي مقدمة ذلك يأتي توحيد القرار العسكري والسياسي، إذ لا يمكن لمعركة بهذا الحجم أن تمضي بإرادات متفرقة أو مراكز قرار متباينة. 

إن توحيد القيادة العسكرية، وتنظيم إدارة مسرح العمليات ضمن إطار موحد، بما يضمن وضوح الصلاحيات وتكامل الأدوار وفاعلية الأداء، هو شرط أساسي للخروج من دائرة الارتباك إلى فضاء الفعل العسكري المنظم والمسؤول.

ويتصل بذلك الارتقاء بعلاقة اليمن بأشقائه وحلفائه الإقليميين إلى مستوى من الثقة والشفافية يرقى الى حجم التحدي. فالدعم الخارجي مهم ،لكن اهميته لاتغني عن وجود رؤية وطنية واضحة تعرف أهدافها، وتحدد أولوياتها، وتقدم خططها واحتياجاتها بمنطق المسؤولية والشراكة، بحيث يصبح الدعم رافدًا للمشروع الوطني، ومحققًا لهدف الأشقاء في نصرة اليمنيين لستعادة دولتهم .

كما أن تعدد الجبهات لا ينبغي أن يعني تعدد الإرادات؛ فتكامل مسارات المواجهة وتنسيق الجهود في مختلف المحاور ضرورة تفرضها طبيعة الصراع، حتى لا يجد الخصم في التشتت منفذًا لإعادة ترتيب قدراته، أو فرصة لاستثمار التباينات السياسية والميدانية لصالح مشروعه. فالقوة لا تكمن دائمًا في كثرة الإمكانات، وإنما في القدرة على جمعها ضمن اتجاه واحد وتوظيفها في اللحظة المناسبة.

وفي موازاة ذلك، تبرز معركة الوعي باعتبارها أحد أهم ميادين الصراع. فالمعلومة حين تغيب عنها المرجعية تتحول إلى ساحة مفتوحة للشائعة والتضليل، ولذلك تبرز الحاجة إلى إدارة إعلامية مسؤولة، ومصدر موثوق للمعلومة، وخطاب منتظم يضع الحقائق أمام المجتمع في وقتها، ويحمي الوعي العام من الفوضى، ويعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

ان المواجهة الفكرية،لا تقل شأنًا عن المواجهة العسكرية والسياسية ؛ إذ لا يكفي أن نواجه نتائج المشروع الحوثي، بل ينبغي أن نواجه الأفكار التي يسعى من خلالها إلى منح الانقسام شرعية، وإلى تحويل الامتياز السلالي ودعوى الحق الإلهي إلى أساس للحكم. وفي جوهر هذه المواجهة دفاع عن معنى المواطنة، وعن حق الإنسان اليمني في دولة لا تميز بين أبنائها، ولا تجعل النسب طريقًا إلى السلطة، ولا تحول السياسة إلى امتياز موروث.

ويبقى المجتمع هو القوة الأعمق والأكثر استدامة في معركة استعادة الدولة. ولذلك فإن مسؤولية القوى والأحزاب الوطنية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الخطاب السياسي، بل تقتضي استعادة حضورها في المجتمع، والاقتراب من قواعدها، وفتح المجال أمام الشباب والنساء وسائر المكونات المدنية للمشاركة في المعركة وصياغة المستقبل. فحين تتحول استعادة الدولة من مهمة نخبوية إلى إرادة مجتمعية واسعة، يصبح المشروع أكثر رسوخًا، وتصبح الدولة قضية الناس، لا قضية المؤسسات والنخب وحدها.

 

وأعود وأكرر أن استعادة الدولة ليست مجرد استرداد لمؤسسات غائبة أو إنهاء لواقع مختل؛ إنها معركة على معنى الدولة نفسها، وعلى شكل المستقبل الذي يستحقه اليمنيون. ولهذا فإن النجاح فيها لن يكون رهين عدالة القضية وحدها، وإنما بقدرة أصحابها على إدارة هذه العدالة بحكمة، وتحويلها إلى رؤية، والرؤية إلى قرار، والقرار إلى فعل متماسك.

فالتاريخ لا يسأل فقط: من كان على حق؟ بل يسأل أيضًا: من أحسن إدارة حقه؟ ومن استطاع أن يحول إيمانه بقضيته إلى إرادة جامعة، ومشروع واضح، وقدرة على صناعة المستقبل؟ ومن هنا تبدأ مسؤولية استعادة الدولة ، لا بوصفها مجرد معركة لكسب جولة، وإنما بوصفها طريقًا لاسترداد الدولة وبناء يمنٍ يتسع لجميع أبنائه على قاعدة المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

 

من صفحة الكاتب في فيسبوك

مقالات

سقوط المخا... أسئلة تبحث عن إجابة

يجب تسمية الأشياء بأسمائها وبشكل بسيط، لأن ذلك يمنحها المصداقية اللازمة. حقق الحوثي انتصارًا، وتعرضت القوى المناهضة له لهزيمة في هذه المنطقة، ولهذا يجب أن يُدرس الانتصار بشكل موضوعي، كما يجب أن تُدرس الهزيمة بشكل موضوعي

مقالات

طاعون صعدة

تتجلّى الكارثة الحوثية، أكثر ما تتجلّى، في الإبادة الثقافية. وهي هنا تأخذ شكلاً مركّباً يبدأ من تقويض منظومة التعليم ولا ينتهي عند تأسيس تعليم بديل، طائفي، جهادي، غير وطني.

مقالات

حين يصبح الحياد تثبيتاً للانقلاب

هناك فرقاً كبيراً بين مطالبة الدولة بضبط عملياتها العسكرية وبين مطالبتها بالتوقف عن استعادة الدولة، ثم وضعها والميليشيا التي أسقطت مؤسسات الدولة في كفة واحدة.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.