مقالات
طاعون صعدة
في أوج الحرب على قطاع غزّة سافرتُ مع أسرتي إلى الأردن لزيارة أقارب لها. أفصحت، على منصّة فيسبوك، عن وجهتي فتلقيت دعوات كثيرة. اخترت منها دعوة من طبيب أسنان أردني لم أكن أعرفه من قبل، ثم صار الدكتور صديقاً لي. في الطريق إلى ضيعته في جرش أوقفت السيارة أمام مشتل، قلتُ لصاحب المشتل، والشمس طافية في سماء أغسطس/آب، أريد نبتة تصلح أن تكون على طاولة الطعام. سألني، وهو يقلّب بصره في المشتل، عن بلدي. أجبته: من اليمن. قال مُعاتباً "أين الصواريخ؟ لماذا توقفتم؟" قلتُ "نحن نرتّب لشيء كبير". أدار الرجل ظهره لي واتجه إلى الداخل، إلى غرفة الحراسة. سمعته يقول لرفيقه "الزلمة من اليمن، بيقول لك مرتبين لشيء كبير". عاد وأعطاني نبتة رائعة بسعر زهيد، وهو يودّعني قال: "أنا من القدس، ولكنّ جدي من اليمن".
وفي إبريل/ نيسان الماضي (2025) دُعيت إلى معرض تونس الدولي للكتاب لتوقيع كتابي "على مقام الصبا". هناك، وأنا أستقبل القُرّاء، جاء كهل تونسي مع زوجته وحيّاني بعينَين مُتلألئتين. لم يلبث أن قبّل جبيني ثم قال "هذه قبلة لأهل اليمن، لأهل المدد". ما استطاع أن يحبس دمعته.
تتجلّى الكارثة الحوثية، أكثر ما تتجلّى، في الإبادة الثقافية. وهي هنا تأخذ شكلاً مركّباً يبدأ من تقويض منظومة التعليم ولا ينتهي عند تأسيس تعليم بديل، طائفي، جهادي، غير وطني. لنأخذ هذه الصورة البانورامية غير النهائية عن الوباء، ننقلها من مصادر أممية ومحلية مختلفة: 2.4 مليون طفل في سن الدراسة خارج المدرسة، 8.5 ملايين طفل في المدرسة من المُحتمل أن يغادروها، 46% من خريجي الثانوية لا يلتحقون بالتعليم الجامعي، 32% من خريجات الثانوية العامة لا يلتحقن بأيّ تعليم، 40% من سكان المدن لا يُجيدون القراءة، 60% من سكان الريف لا يعرفون الأبجدية، حوالى 27% من خريجي الثانوية العامة يُمنحون شهادات مُزوّرة، 60% من المعلمين لم يحصلوا على راتب منذ 10 سنوات، 20% من المعلمين غادروا المهنة واحترفوا أشغالاً يدوية، 3 آلاف مدرسة دمّرتها الحرب، ربع أطفال البلاد يعولون أسرهم، و32% من فتيات البلاد يتزوّجن في سن المدرسة.
لا تزال الكارثة الحوثية، رغم كلّ هذا، في بدايتها. فلم يحالفها الحظ حتّى الآن في فرض نفوذها على كلّ الجغرافيا بسبب من مقاومة شعبية واستبسال جماهيري غير مسبوق. تعلم الحوثية أنّها فقيرة إلى المشروعية، ليس السياسية والحسب، بل كل أشكال المشروعية. تستعيض عن ذلك بالدأب على خلق شعبها الخاص عبر آلة تعليم وتثقيف مُعقّدة ومُستدامة. ثم، وهذا أقلّ خطراً، من خلال السلاح والعنف الشامل المُنفلت.
تلك هي الصورة الحقيقية لجماعة قدّمت نفسها، في الأعوام الأخيرة، بحسبانها مسيح فلسطين، والحارس الأخير لقيم النخوة والأخوة. الجماعة التي يراها أهل اليمن إرهابية حتى العظم، ويظنّها العربُ يسوعَ الفضيلة والنخوة.
نقلا عن صحيفة "العربي الجديد"