مقالات

أساليب حوثية تعزز ما يفعله سلاحها

11/06/2025, 09:39:23

لا تستند الحركة الحوثية في استمرار هيمنتها وسيطرتها في صنعاء إلى السلطة والقوة العسكرية وحدها، فالسلطة وقوة السلاح لا يكفيان لضمان استمرارها في موقع الهيمنة، من دون اتباع أساليب وحيل من شأنها إنهاك المجتمع، وإشغال الناس، وإغراقهم في قضايا كونية ومعارك وهمية كبرى تُفرض عليهم دون أن يخوضوها فعلياً. لكنها، من ناحية أخرى، فعالة في صرف الناس عن التفكير أو الاهتمام بمسائل حياتهم اليومية، وما يتصل بشؤونهم الشخصية والعائلية والمهنية والعلمية والاقتصادية، وتأخذهم بعيداً عن القيام بأي نشاط أو فعل مستقل عن الجماعة، أو حتى معها، ما لم تكن هي من حددت فكرة النشاط وطبيعته وحجمه ومجاله والحاجة إليه.

ما دون ذلك، لا يمكن للجماعة أن تتسامح مع أي شكل من النشاط الجماعي المستقل عنها، حتى لو كان الأمر مجرد مشاهدة جماعية لمباريات كرة القدم، أو الخروج في مظاهرات جماهيرية وتجمعات شعبية عفوية تندد بحرب الإبادة الإسرائيلية والغربية على غزة.

في صنعاء، لا يمكنك الخروج والتعبير عن مساندتك وتعاطفك مع المقاومة الفلسطينية في غزة، أو غضبك إزاء الإبادة الإسرائيلية، ما لم يكن ذلك عبر العصابة الحوثية نفسها. أي عليك أن تصبح تابعاً حوثياً أولاً. ولكنك لا تستطيع أن تصبح حوثياً يُوثق به من منظور الجماعة، ما لم تكن هاشمياً. وتلك مسألة معقّدة وخارجة عن الإرادة البشرية.

يكفي أن ترى الجماعة في المواطن اليمني، المنحدر من خارج السلالة، مجرد “حوثي محتمل”، تستفيد منه وتدمجه في نشاط غير منقطع، ضمن حركة مستمرة كفيلة بأن تجعله لا يفكر في شيء سوى القضايا الكونية البعيدة، والأوهام الكبرى غير المرئية، والمؤامرات الكونية الخطيرة التي تحدد الجماعة ماهيتها، لكنها غير قابلة للقياس أو المعرفة أو الاختبار.

معرفة هذا النوع من المؤامرات الوهمية تتطلب شروطاً صعبة، لا تتوفر – من منظور الجماعة – إلا في شخصية “الحوثي القائد”.

هذا يتصل أيضاً بمسألة غير منفصلة عن أساليب التحكم بالمجتمع وتضليل الناس، عبر تضخيم وهم القائد، وإحاطته بطابع القداسة والقدرة الخارقة، وإيهام الناس بأنه يعرف كل شيء. وتلعب هذه الأساليب دوراً جوهرياً في السيطرة على السكان، وتعطيل الأفراد من القيام بأي نشاط أو فعل مستقل عن العصابة الحوثية، وجعل المجتمع رهينة لمخاوف زرعتها الجماعة في نفوس الناس، مثل الإيحاء بأنها “تعرف كل شيء عن تحركات الأفراد والمواطنين والأسر”.

لماذا يحرص الحوثي كثيرًا على التأكيد بأنه يعرف كل شيء إذا كان يعرف ذلك فعلياً؟

لأنه في الحقيقة لا يعرف سوى القليل، ولا يمتلك القدرة على مراقبة جميع المواطنين، مهما بلغ عدد التشكيلات الأمنية والاستخباراتية التي أنشأها لأغراض جمع المعلومات والتتبع والتجسس، مثل: “الأمن الوقائي”، و”جهاز الأمن والمخابرات”، و”جهاز أمن الثورة”، وتشكيل “الزينبيات”.

يلجأ الحوثي إلى اتباع أساليب التخويف والترهيب، بهدف تضليل الناس وإيهامهم بأنهم تحت رقابة دقيقة، وأنه يعرف كل شيء يفعلونه أو ينوون فعله. عادةً ما يستهدف أشخاصًا يحتكون بعدد كبير من أبناء مناطقهم، فيقوم باختطافهم دون أن يعرف هؤلاء الأشخاص دوافع وأسباب اختطافهم.

يتم إيداع الأشخاص في السجن، ثم تبدأ الجماعة بجمع معلومات عن حياتهم وأوضاعهم الاجتماعية، كونها لم تكن تعلم عنهم شيئًا قبل اختطافهم. لكن الجماعة تعود وتستعرض ما جمعته من معلومات أمام المختطفين في سجونها، كما لو أنها كانت على علم بها منذ سنوات.

يتعرض هؤلاء الأشخاص لنوع من التعذيب الذي يبقيهم أحياء عن قصد، لكن آثاره تبقى ظاهرة بشكل لافت. لاحقًا، تقرر الجماعة الإفراج عنهم، وتتوقع أن كل شخص منهم سيعود إلى منزله ويخبر الناس بما جرى له، وكيف أن الحوثي يعرف كل شيء عن الجميع، ويسردها كحقائق تعكس امتلاك الجماعة لقدرات خارقة تحيط بكل شيء علمًا، بدليل ما سمعه منهم في السجن عن حياتهم.

هذا تكتيك بدائي قديم تستخدمه الفرق الاستخباراتية المبتدئة، ولا يعكس قوة أو براعة استخباراتية للحوثيين، بقدر ما يؤكد ضعف أجهزتهم الأمنية المعنية بالتجسس والتتبع وجمع المعلومات.

مثلما تسعى الجماعة لتكريس قناعة بأنها تعرف كل شيء، فإنها تتبع أساليب إجرامية ودعائية تجعل كل فرد ومواطن يشعر بأنه متهم في كل لحظة، وعليه أن يظل منشغلًا بشكل دائم في تفنيد التهمة ودرئها عن نفسه. لكن تفنيدها لا يتم إلا عن طريق إثبات الولاء للجماعة ودعمها سياسيًا وماليًا وفكريًا، وعبر الاندماج في أنشطتها وحركتها المستمرة، والمسارعة في كل مرة لتأييد مواقف قيادة الجماعة وتسويق تصوراتها وقناعاتها.

تجرّد الجماعة أتباعها من الكرامة الإنسانية والشخصية، ومن التفكير في مسائل حياتهم اليومية والعائلية، وبأحوال التعليم والمعيشة، وبالمآسي التي صنعتها في بلدهم، وجعلتهم مشغولين بالتفكير والاهتمام الدائم بالكلام الجيوسياسي، والحديث عن فرض معادلات جديدة في النظام الدولي، وتغيير “قواعد اللعبة العالمية”.

صار كل عنصر في الجماعة يردد مثل هذه المصطلحات الجيوسياسية الثقيلة، وفي مخيّلته عبدالباري عطوان، أحد أسوأ هواة التحليل وترويج الأوهام الكبرى في “محور الممانعة”.

مقالات

هذا ما يمكن أن تقرأه عندما "تفتش" في عقل ترمب

قد يجد المتابع طريقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للحرب ضد إيران نفسه مربكا بين ما يريده ترمب بالفعل، وبين سيل التصريحات المتدفقة التي تعبر عن شخصيته النرجسية واعتداده بذاته، أو تلك التي تعبر عن عقلية التاجر الذي يمارس كافة أشكال المناورة، ورفع الأسعار وسياسة حافة الهاوية، أو تلك التي يرغب من خلالها أن يظل هو "مركز الحدث"، والعنصر المحرك في الإعلام؛ حتى لو اقتضى ذلك "ماكينة" لا تتوقف عن التصريحات المضللة.

مقالات

شهادة حول الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي

لم أكن قد التقيت به أثناء زياراتي لعدن، إذ كان العقيد عبد ربه منصور هادي من الصف الثاني في قيادة شطرنا الجنوبي، كان ضابطاً وقائداً محترفاً مؤهلاً في الجيش، إذ التحق به أثناء الاستعمار البريطاني، وتلقى دراسته العسكرية في بريطانيا، زميلاً للعقيد معمر القذافي، ثم في مصر، وأخيراً في الاتحاد السوفييتي

مقالات

المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر

حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.

مقالات

رئيس في دولة استعصت على الحكم

تولى هادي السلطة في لحظة انتقالية شديدة الهشاشة، خرجت من بنية دولة مثقلة بالصراع ومراكز القوى المتراكمة، ثم انفتحت على فضاء إقليمي ودولي لم يعد فيه القرار اليمني قرارًا مستقلًا بالكامل. ومن هنا، يصبح اختزال تجربته في ثنائية “نجح” أو “فشل” تبسيطًا مخلًا، لأن قواعد اللعبة السياسية نفسها كانت قد انهارت أو تشوّهت منذ البداية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.