تقارير
12 عاماً على انقلاب الحوثيين.. الموت والجباية يثقلان حياة اليمنيين
بعد 12 عاماً على سيطرة مليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، لا تزال المناطق الخاضعة للجماعة تعيش على وقع أزمة متعددة الأوجه، تتداخل فيها تداعيات الحرب مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، فيما يدفع المدنيون كلفة الانقسام السياسي والعسكري المستمر.
وخلال السنوات الماضية، تحولت مساحات واسعة من مناطق سيطرة الحوثيين إلى بيئة مثقلة بالقيود الأمنية والجبايات وتراجع الخدمات، في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية للأسر وتوقفت رواتب قطاعات واسعة من موظفي الدولة.
مئات الآلاف من الانتهاكات
وأفادت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، في تقرير صدر هذا الأسبوع، بأنها وثقت نحو 278 ألف جريمة وانتهاك ارتكبتها جماعة الحوثيين بحق المدنيين في مختلف المحافظات اليمنية خلال الفترة من 21 سبتمبر 2014 وحتى 20 سبتمبر 2026.
وبحسب التقرير، شملت الانتهاكات القتل والإصابة والاختطاف والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب وزراعة الألغام وتجنيد الأطفال، إضافة إلى استهداف المنازل والمنشآت المدنية والتعليمية والصحية ودور العبادة.
ووثقت الشبكة مقتل 19,478 مدنياً، بينهم 1,616 امرأة و1,345 طفلاً، فيما أصيب 42,960 آخرون، بينهم 7,348 امرأة و4,983 طفلاً.
كما قالت إن الألغام تسببت في مقتل 1,823 مدنياً وإصابة 7,135 آخرين، في وقت لا تزال فيه الألغام ومخلفات الحرب تمثل تهديداً مستمراً للسكان في عدد من المناطق اليمنية.
الاعتقال والسجون
وفي ملف الاحتجاز، وثق التقرير 22,165 حالة اختطاف وإخفاء قسري وتعذيب، مشيراً إلى استمرار احتجاز 6,745 مدنياً.
وأضاف أن 476 شخصاً توفوا نتيجة التعذيب، بينما توفي 79 آخرون بسبب الإهمال الطبي داخل أماكن الاحتجاز.
وقالت الشبكة إنها وثقت وجود نحو 739 سجناً ومعتقلاً تديرها جماعة الحوثيين، بينها 357 سجناً سرياً، محذرة من المخاطر المرتبطة بظروف الاحتجاز والإخفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة.
المنازل والمنشآت المدنية تحت وطأة الحرب
ولم تقتصر تداعيات الحرب على الخسائر البشرية، إذ أشار التقرير إلى تدمير أو تضرر 183,498 منزلاً، فضلاً عن استهداف 1,397 مدرسة ومرفقاً تعليمياً.
كما لحقت أضرار بمنشآت صحية ومرافق خدمية واقتصادية، إلى جانب شبكات المياه والكهرباء والطرق والجسور، ما زاد من تراجع مستوى الخدمات الأساسية في مناطق واسعة من البلاد.
وتأتي هذه الأضرار في وقت يواجه فيه اليمن واحداً من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً، مع استمرار الانقسام المؤسسي وتراجع الموارد العامة وتعثر دفع رواتب موظفي الدولة في مناطق سيطرة الحوثيين.
الجبايات تثقل كاهل التجارة
إلى جانب تداعيات الحرب، تواجه الأنشطة التجارية في مناطق سيطرة الحوثيين شبكة واسعة من الرسوم والجبايات.
وتشير بيانات محلية إلى وجود نحو 220 نقطة تفتيش على طرق الحركة التجارية، فيما تذهب نحو 85% من إيرادات الجمارك إلى الجماعة، وفق ما أوردته تقارير محلية.
وفي مثال على حجم الأموال التي تحصل عليها الجماعة تحت مسميات مختلفة، دفعت شركة يمن موبايل، بحسب تقارير محلية، نحو 16 مليون دولار تحت بند 'الزكاة' خلال عام واحد.
وتثير هذه الجبايات مخاوف من انعكاسها على تكلفة نقل السلع وأسعارها النهائية، في وقت يعاني فيه المستهلكون من تراجع القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية.
الغلاء يضاعف الأزمة المعيشية
وسجلت الأسواق والمراكز التجارية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، مع زيادة أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية بنسب تراوحت، وفق بيانات محلية، بين 33% و40%.
كما رفعت السلطات في صنعاء أسعار المشتقات النفطية، إذ ارتفع سعر صفيحة البنزين سعة 20 لتراً من 9,500 إلى 10,500 ريال، فيما زاد سعر صفيحة الديزل من 10,500 إلى 11,500 ريال.
وامتدت موجة الغلاء إلى قطاع الإنشاءات، حيث تجاوز ارتفاع أسعار مواد البناء والطلاء 110%، وفق البيانات المحلية ذاتها، الأمر الذي انعكس على كلفة أعمال البناء والترميم.
عقد كامل بلا رواتب
ويأتي ارتفاع الأسعار في ظل استمرار توقف رواتب الموظفين المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين منذ عام 2016، وفق ما تورد تقارير محلية، وهو ما أدى إلى تراجع حاد في القوة الشرائية لآلاف الأسر.
وتقول تقارير حقوقية واقتصادية حديثة إن نحو 70% من الموظفين لا يتلقون رواتب منتظمة، بينما يواجه ملايين اليمنيين مستويات متزايدة من انعدام الأمن الغذائي.
وفي صنعاء، تشير تقديرات وتقارير محلية إلى أن نحو نصف السكان يواجهون مستويات من انعدام الأمن الغذائي، في ظل ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع مصادر الدخل.
وبالنسبة لكثير من الأسر، لم تعد الأزمة الاقتصادية مرتبطة بارتفاع أسعار سلعة أو خدمة بعينها، بل أصبحت مرتبطة بالقدرة على تأمين الاحتياجات اليومية الأساسية.
المواطن في قلب الأزمة
وبعد 12 عاماً من الحرب والانقسام، تتقاطع الأزمات الأمنية والاقتصادية والإنسانية في حياة المواطن اليمني. فالمدني الذي يواجه مخاطر الألغام والاعتقال والعنف، يواجه في الوقت ذاته ارتفاع أسعار الغذاء والوقود ومواد البناء، وانقطاع الرواتب وتراجع الخدمات.
وبينما تستمر الجماعة في فرض الجبايات وتحصيل الإيرادات في مناطق سيطرتها، واشعال الحروب، تتسع الفجوة بين ما يدفعه المواطن من أموال وما يحصل عليه من خدمات، في اقتصاد أنهكته سنوات الحرب والانقسام.
وتكشف هذه المؤشرات مجتمعة أن آثار أحداث سبتمبر 2014 لم تتوقف عند السيطرة على مؤسسات الدولة والعاصمة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية لليمنيين، من الأمن والغذاء إلى العمل والدخل والخدمات الأساسية.