تقارير
من الدبلوماسية إلى الأمن البحري: أبعاد التحرك اليمني باتجاه القرن الأفريقي
الوقت الذي يتجه فيه البحر الأحمر نحو مرحلة أكثر توترًا، تبدو التحركات السياسية في المنطقة مرتبطة بصورة متزايدة بالحسابات الأمنية والعسكرية. فالممر البحري الذي ظل لعقود مرتبطًا بالتجارة الدولية والطاقة، أصبح خلال العامين الأخيرين أقرب إلى خط تماس مفتوح بين قوى إقليمية ودولية، وبين جماعات مسلحة تتحرك خارج إطار الدولة.
وفي قلب هذا المشهد، يظهر اليمن بوصفه أحد أكثر الأطراف تأثرًا بهذه التحولات، بحكم موقعه الجغرافي، واستمرار الحرب داخله، وتحوّل سواحله إلى جزء من معادلة الصراع في البحر الأحمر.
ضمن هذا السياق، يمكن قراءة زيارة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي إلى جيبوتي للمشاركة في مراسم تنصيب الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله. فالزيارة، وفق طبيعة الوفد المرافق واللقاءات التي عُقدت خلالها، توحي بأنها تجاوزت الإطار البروتوكولي التقليدي، واتجهت نحو ملفات ترتبط بالأمن البحري، والتنسيق الإقليمي، وتطورات البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
تأتي هذه التحركات في مرحلة تشهد فيها المنطقة تصاعدًا ملحوظًا في التوتر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. هذا التصعيد لا يجري بصورة مباشرة فقط، وإنما عبر مسارات متعددة، من بينها استخدام جماعات مسلحة حليفة لطهران في أكثر من جبهة. وفي هذا الإطار، يبدو أن جماعة الحوثيين تحولت خلال الفترة الماضية إلى أحد أبرز أدوات الضغط الإيرانية في البحر الأحمر، خصوصًا بعد توسع الهجمات على السفن التجارية، ومحاولات استهداف الملاحة الدولية في باب المندب وخليج عدن.
لم تعد الهجمات الحوثية تُقرأ باعتبارها تطورًا محليًا مرتبطًا بالحرب اليمنية فقط. فالمؤشرات الإقليمية والدولية توحي بأن هذه العمليات أصبحت جزءًا من محاولة أوسع لفرض ضغط سياسي وعسكري على الولايات المتحدة وحلفائها، وربما أيضًا لإعادة رسم قواعد الاشتباك في البحر الأحمر. وقد دفع ذلك واشنطن إلى تعزيز حضورها العسكري البحري، وتنفيذ ضربات متكررة ضد مواقع ومنصات إطلاق تابعة للحوثيين داخل اليمن.
هذا التحول أعاد البحر الأحمر إلى مركز الاهتمام الدولي، فالممر الذي يربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس، وتمر من خلاله نسبة كبيرة من التجارة العالمية، أصبح معرضًا بصورة متزايدة لمخاطر أمنية متراكمة. بعض هذه المخاطر يأتي من الضفة اليمنية، وبعضها الآخر يرتبط بالقرن الأفريقي، حيث تتصاعد بدورها توترات معقدة بين إثيوبيا وإريتريا، إضافة إلى حالة عدم الاستقرار الممتدة في الصومال والسودان.
في هذا السياق، تبدو جيبوتي أقرب إلى مركز مراقبة إقليمي ودولي للتحولات الجارية في البحر الأحمر. فالدولة الصغيرة المطلة على المضيق تستضيف قواعد عسكرية أمريكية وفرنسية وصينية ويابانية، وتؤدي دورًا متقدمًا في مراقبة خطوط الملاحة الدولية. ولهذا، فإن أي تحرك سياسي يمني باتجاه جيبوتي يُرجّح أن يرتبط أيضًا بملفات أمنية تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية.
المؤشرات المرتبطة بتركيبة الوفد اليمني تعزز هذا الانطباع. فوجود قيادات عسكرية وأمنية رفيعة المستوى خلال الزيارة قد يعكس اهتمامًا بملفات تتعلق بأمن باب المندب، والتنسيق الاستخباري، ومراقبة التهديدات البحرية. هذا النوع من الحضور لا يُرافق عادة الزيارات ذات الطابع الاحتفالي فقط، خصوصًا في ظل الظروف الأمنية التي تمر بها المنطقة.
وجود الفريق الركن محمود الصبيحي داخل الوفد يحمل دلالات إضافية. فالرجل يرتبط جغرافيًا وعسكريًا بمناطق جنوب غرب اليمن المطلة على باب المندب، وهي مناطق اكتسبت أهمية مضاعفة منذ تصاعد التهديدات الحوثية للملاحة الدولية. كما أن خلفيته العسكرية تجعل حضوره مرتبطًا، على الأرجح، بملفات تتعلق بأمن الساحل الغربي وترتيباته العسكرية.
كذلك يبدو حضور رئيس جهاز أمن الدولة اللواء محمد عيضة مؤشرًا على أن الزيارة ربما تناولت ملفات استخبارية وأمنية تتعلق بحركة التهريب، وشبكات نقل السلاح، وأنشطة الجماعات المسلحة في البحر الأحمر وخليج عدن. وتزداد أهمية هذه الملفات مع تصاعد المخاوف من توسع شبكات التهريب المرتبطة بإيران، والتي يُعتقد أنها لعبت خلال السنوات الماضية دورًا في دعم الحوثيين بالسلاح والتقنيات العسكرية.
اللقاء الذي جمع الرئيس العليمي بالرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يندرج، على الأرجح، ضمن هذا الإطار أيضًا. فالصومال واليمن يواجهان تحديات متقاربة تتعلق بالجماعات المسلحة، وضعف السيطرة البحرية، ونشاط شبكات التهريب. ومن غير المستبعد أن تكون المباحثات قد تطرقت إلى التعاون الأمني، وتبادل المعلومات، ومراقبة التحركات البحرية في خليج عدن والقرن الأفريقي.
في المقابل، تبدو التوترات في القرن الأفريقي مرشحة لمزيد من التصعيد. فالعلاقة بين إثيوبيا وإريتريا ما تزال تحمل إرثًا ثقيلًا من الصراع، رغم اتفاقات التهدئة السابقة. ومنذ تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بشأن حاجة بلاده إلى منفذ بحري، ارتفعت حدة المخاوف من احتمال عودة التوتر العسكري مع أسمرة.
التركيز الإثيوبي على ميناء عصب الإريتري يثير قلقًا متزايدًا داخل المنطقة. وتشير تحركات عسكرية وإعلامية متبادلة خلال الأشهر الماضية إلى أن العلاقات بين الطرفين تمر بمرحلة حساسة. وفي حال تطور هذا التوتر إلى مواجهة مفتوحة، فمن المرجح أن تنعكس تداعياته سريعًا على أمن البحر الأحمر، وحركة الملاحة، وحتى على الوضع داخل اليمن.
يمثل إقليم تيغراي بدوره عامل ضغط إضافي داخل هذه المعادلة. فرغم اتفاق بريتوريا، لا تزال مؤشرات عدم الاستقرار قائمة داخل الإقليم. القوات الإريترية لم تنسحب بصورة كاملة، والانقسامات السياسية داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تتسع، وأوضاع النازحين والخدمات الإنسانية ما تزال متدهورة. هذه العوامل تجعل المنطقة قابلة للانفجار مجددًا، خصوصًا إذا تصاعد الخلاف الإثيوبي–الإريتري.
بالنسبة لليمن، فإن أي اضطراب واسع في القرن الأفريقي قد يحمل تداعيات مباشرة. فالبحر الأحمر لم يعد يفصل بين الضفتين كما كان يُنظر إليه سابقًا. التطورات الأمنية في إريتريا أو الصومال أو جيبوتي تنعكس سريعًا على باب المندب والسواحل اليمنية. كما أن شبكات التهريب والهجرة غير النظامية تربط فعليًا بين جانبي البحر بصورة يومية.
هذا الواقع قد يفسر جزئيًا اهتمام الحكومة اليمنية بإعادة تنشيط حضورها السياسي والأمني في القرن الأفريقي. فبعد سنوات من الانشغال بالحرب الداخلية، تبدو هناك محاولة لإعادة إدماج اليمن في الترتيبات الإقليمية المرتبطة بالبحر الأحمر. غير أن هذا المسار ما يزال يواجه تحديات داخلية واضحة، تتعلق بتعدد مراكز القرار العسكري والسياسي داخل البلاد.
ورغم هذه التحديات، يبدو أن القيادة اليمنية تحاول تقديم نفسها كشريك محتمل في ترتيبات الأمن البحري. ويتضح ذلك من الخطاب الرسمي المتزايد حول حماية الملاحة الدولية، ومكافحة التهريب، والتعاون مع الدول المطلة على البحر الأحمر. لكن فعالية هذا التوجه تبقى مرتبطة، إلى حد كبير، بقدرة الدولة اليمنية على تعزيز تماسك مؤسساتها الأمنية والعسكرية.
في المقابل، لا تبدو القوى الدولية بعيدة عن هذه الحسابات، فالولايات المتحدة تنظر بقلق متزايد إلى أي تهديد قد يطال الملاحة الدولية، والصين تتابع تطورات البحر الأحمر بحذر، نظرًا لاعتماد تجارتها على هذا الممر. فيما تخشى أوروبا انعكاسات أي اضطراب جديد على حركة الطاقة وسلاسل الإمداد. وهذا ما يفسر تصاعد الوجود العسكري الدولي في المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
ومع استمرار الحرب في غزة، والتوتر الإيراني الإسرائيلي، يُرجّح أن يبقى البحر الأحمر معرضًا لموجات جديدة من التصعيد. فإيران تبدو حريصة على الاحتفاظ بأوراق ضغط إقليمية متعددة، والحوثيون يشكلون إحدى أهم هذه الأوراق في جنوب البحر الأحمر. كما أن إسرائيل تنظر إلى أي تهديد للملاحة باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها الاقتصادي والاستراتيجي.
في ضوء ذلك، قد تصبح التحركات اليمنية باتجاه جيبوتي والصومال جزءًا من محاولة أوسع لبناء شبكة علاقات أمنية إقليمية، تساعد على احتواء بعض التهديدات المتصاعدة. غير أن نجاح هذه الجهود سيظل مرتبطًا بعوامل أكبر من قدرة اليمن وحده، من بينها شكل التفاهمات الدولية في البحر الأحمر، ومستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران، ومسار التوترات في القرن الأفريقي.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على أن المنطقة تتجه نحو استقرار قريب. المؤشرات المتوفرة توحي بالعكس. البحر الأحمر يشهد عسكرة متزايدة. القرن الأفريقي يعيش حالة توتر مفتوح. اليمن ما يزال منقسمًا. والحوثيون يواصلون استخدام الجغرافيا البحرية كورقة ضغط إقليمية. هذه العوامل مجتمعة تجعل المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التعقيد، خصوصًا إذا اتسعت دائرة المواجهة بين إيران وإسرائيل أو حدث تصعيد جديد في باب المندب.
في النهاية، تبدو زيارة جيبوتي محاولة يمنية لعدم البقاء خارج ترتيبات الأمن الإقليمي التي تتشكل حاليًا حول البحر الأحمر. وقد تعكس أيضًا إدراكًا داخل القيادة اليمنية بأن موقع اليمن الجغرافي يمنحه أهمية لا تزال قائمة، رغم سنوات الحرب والانقسام. لكن هذه الأهمية وحدها قد لا تكون كافية، ما لم تترافق مع قدرة حقيقية على استعادة مؤسسات الدولة، وتقوية أدواتها الأمنية، وإعادة بناء حضورها داخل محيط إقليمي يتحرك بسرعة نحو مرحلة أكثر اضطرابًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* علاء توفيق - باحث سياسي يمني