تقارير

مجموعة الأزمات الدولية: حرب اليمن تتجه نحو مواجهة صفرية

15/10/2026, 11:39:48
المصدر : مجموعة الأزمات الدولية

بقلم: أحمد ناجي- بعد ثلاثة أسابيع من التقدم العسكري السريع للحوثيين على امتداد الساحل الغربي للبلاد، بما في ذلك السيطرة على المخا وذباب، وهما منطقتان مجاورتان لمضيق باب المندب وأجزاء من ريف محافظة تعز، أطلقت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا هجومًا مضادًا. ففي الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، أعلن رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، بدء حملة عسكرية شاملة لاستعادة سلطة الحكومة في جميع أنحاء البلاد. وفي اليوم التالي، أعلنت القوات الحكومية انطلاق عملية «فجر اليمن»، بهدف معلن يتمثل في استعادة الأراضي الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بما فيها العاصمة صنعاء التي سيطر عليها الحوثيون عام 2015.

وتشير هذه الحملة إلى دخول الحرب في اليمن مرحلة جديدة، باتت تتسم بصورة متزايدة بمواجهة صفرية بين الحكومة اليمنية والسعودية، الداعم الخارجي لها، من جهة، والحوثيين من جهة أخرى. والرهانات في هذه المواجهة كبيرة؛ إذ وسّع تقدم الحوثيين على الساحل الغربي وفي المناطق الريفية من تعز نطاق سيطرتهم الجغرافية بصورة ملحوظة، ما أثار مخاوف من قدرتهم على تهديد آخر معاقل الحكومة في جنوب اليمن بصورة مباشرة. ويبدو أن الحوثيين كانوا يحشدون قواتهم تمهيدًا للتقدم جنوبًا باتجاه عدن، العاصمة المؤقتة للبلاد. وبعبارة أخرى، ترى الحكومة اليمنية أن هذه المعركة تمس وجودها ذاته، وتتصرف على هذا الأساس. وعلى المستوى المعلن، لا يترك إعلان الهجوم المضاد الشامل مجالًا يُذكر للمساومة السياسية أو التسوية مع الحوثيين، فضلًا عن تقاسم السلطة معهم.

ولكل طرف روايته الخاصة للصراع. فالـحوثيون يقولون إن معركتهم موجهة ضد السعودية، بينما تحرص الحكومة اليمنية على تصوير الحرب باعتبارها مواجهة بينها وبين الحوثيين، مع تقديم المملكة، الواقعة شمالًا، دعمًا غير معلن رسميًا، وإن كان واضحًا، لقواتها. وفي هذا السياق، كان لافتًا أن العليمي هو من أعلن الهجوم المضاد؛ إذ أُسندت المهمة إلى مسؤول في الحكومة اليمنية، لا إلى ممثل عن التحالف الذي تقوده السعودية ويقاتل دعمًا لها.

ما الوضع الراهن في ساحة المعركة؟

لا يزال الوضع الميداني متغيرًا بسرعة. ففي المرحلة الأولى، تركز الهجوم المضاد على الساحل الغربي، حيث أعلنت القوات المتحالفة مع الحكومة، بما فيها ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، تحقيق تقدم كبير بالقرب من باب المندب وذباب، بدعم من الغارات الجوية السعودية. ورد الحوثيون بشن هجمات على تلك القوات، لكنهم لم يتمكنوا من الاحتفاظ بسيطرتهم على باب المندب. وسعى المتمردون أيضًا إلى تعويض خسائرهم بتحقيق مكاسب في ريف تعز؛ وبحلول وقت إعداد هذا التقرير، كانوا قد وصلوا إلى مديريات محاذية لمحافظة لحج جنوبًا، وشددوا الطوق المحيط بمدينة تعز، وهي مركز سكاني رئيسي يقع بين الساحل الغربي وجنوب اليمن، ولا يزال خارج سيطرة الحوثيين. وأصبحت المدينة، عمليًا، تحت الحصار، بعدما قطع الحوثيون جميع طرق الإمداد التي تربطها بالمناطق الأخرى الخاضعة لسيطرة الحكومة. وحتى الآن، لم يؤدِّ التقدم الحكومي على الساحل، فيما يبدو، إلى تخفيف الضغط عن تعز.

كما اندلعت اشتباكات عنيفة على الجبهتين الشرقية والشمالية الممتدتين من حجة إلى مأرب. وحققت القوات الحكومية تقدمًا في مأرب، مستعيدة عددًا من المواقع والتحصينات العسكرية بالقرب من المدينة. وتقدمت كذلك في محافظة الجوف شمالًا باتجاه مديرية خب والشعف، وفي محافظة حجة شمال غربي البلاد باتجاه حرض وميدي والمناطق المحيطة بهما قرب الحدود السعودية. غير أن هذه المكاسب ظلت محدودة حتى الآن، ولم تُحدث تغييرًا جوهريًا في خطوط المواجهة.

وكان من أبرز سمات الهجوم المضاد الاستخدام المكثف للسلاح الجوي السعودي لدعم القوات البرية المتحالفة مع الحكومة واستهداف تعزيزات الحوثيين ومستودعات أسلحتهم ومراكز قيادتهم. وشملت الغارات مواقع في صنعاء وعمران وصعدة والبيضاء، إلى جانب أبراج الاتصالات في المحافظات الشمالية. ويبدو أن وتيرة الغارات الجوية كانت كثيفة للغاية؛ إذ قالت الحكومة اليمنية، في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول، إن التحالف نفذ 6,379 هجومًا على الحوثيين خلال أربعة أيام فقط.

هل توقع الحوثيون الهجوم المضاد، وإلى أي مدى كانوا مستعدين لمواجهته؟

كان الحوثيون يتوقعون بوضوح شن هجوم مضاد من نوع ما، عندما استولوا على مناطق مجاورة لباب المندب، إلى جانب المخا والمناطق المحيطة بها. وسارعوا منذ البداية إلى تحصين مواقعهم وزرع الألغام الأرضية ونصب الرادارات وغيرها من وسائل الرصد لاكتشاف أي تقدم معادٍ. كما أرسلوا تعزيزات إلى عدد من الجبهات الشرقية والشمالية. لكن القوات الحكومية تقدمت بوتيرة لافتة، ما يشير إلى أن المواقع الحوثية كانت أكثر عرضة للاختراق مما افترضه كثير من المراقبين، حتى بعد تعزيزها. وكان فقدان السيطرة على باب المندب ضربة خاصة للحوثيين.

في ظل هذه الظروف، يُرجح أن يعطي الحوثيون الأولوية للحفاظ على قوتهم القتالية الأساسية بدلًا من التمسك بكل منطقة استولوا عليها مؤخرًا. وإذا استمر تعرض قواتهم لضربات جوية مكثفة، فقد ينسحبون من المناطق الساحلية المكشوفة إلى مواقع أكثر قابلية للدفاع عنها في المرتفعات المجاورة. وقال محللون يمنيون مؤيدون للحوثيين لمجموعة الأزمات الدولية إن الجماعة، بعد إعادة تجميع وحدات رئيسية في مناطق يسهل الدفاع عنها، قد تلجأ إلى شن هجمات متفرقة على جبهات أخرى لإظهار استمرار امتلاكها زمام المبادرة، وإجبار خصومها على توزيع قواتهم على نطاق أوسع.

وتحتل المعركة حول تعز موقعًا محوريًا في هذه الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، فإن الانسحابات الميدانية التي بدأت تقوض رواية الحوثيين عن استمرار زخمهم العسكري لا تعني بالضرورة أنهم فقدوا قدراتهم القتالية على نطاق أوسع.

ما استراتيجية الحوثيين تجاه السعودية، وهل يمكن أن تأتي بنتائج عكسية؟

من الواضح أن الحوثيين يسعون إلى تحميل السعودية كلفة باهظة خارج ساحة المعركة اليمنية، من خلال استهداف منشآتها النفطية، والسفن التجارية المرتبطة بها، والمطارات المدنية. ففي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، حذر الحوثيون شركات الطيران من استخدام المجال الجوي السعودي، ثم أعلنوا مسؤوليتهم عن عدة هجمات على مطارات في المملكة. وأكدت السلطات السعودية أن ضربات حوثية أوقعت قتلى وجرحى في مطارات الرياض وأبها وجازان، كما تسببت في أضرار جسيمة للطائرات والبنية التحتية.

وشكل الهجوم الذي استهدف مطار الرياض الدولي في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول صدمة خاصة للسعودية، ومثّل تصعيدًا كبيرًا في الصراع. وأفادت تقارير بأن الهجوم على صالة للمسافرين أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 12 شخصًا وإصابة 309 آخرين، وأدى إلى تعطيل حركة المطار وإلغاء عدد كبير من الرحلات. وفي اليوم التالي، شن الحوثيون موجة أخرى من الهجمات استهدفت المطار.

ويبدو أن الحوثيين يريدون توجيه رسالة مفادها أن استمرار الدعم العسكري السعودي لحلفائهم اليمنيين سيترتب عليه ارتفاع التكاليف الاقتصادية والأمنية التي تتحملها المملكة. ونقل عن مسؤول حوثي رفيع المستوى قوله لمجموعة الأزمات الدولية إن «استراتيجية الرد لدينا تقوم على الحصار مقابل الحصار، والميناء مقابل الميناء»، مؤكدًا استعداد الحركة لتصعيد كبير يستهدف مواقع أكثر حساسية داخل المملكة.

ويبدو أن الحوثيين يعتقدون أنهم قادرون على هزيمة القوات المتحالفة مع الحكومة إذا تمكنوا من إخراج الرياض من الحرب، وحرمان خصومهم اليمنيين من الدعم الجوي. لكن استهداف منشأة حيوية بحجم مطار الرياض قد يعكس أيضًا تقديرًا أوسع لدى الحوثيين لمكامن ضعفهم؛ فإطالة أمد المواجهة مع السعودية قد تستنزف قدراتهم العسكرية وتجبرهم على التخلي عن بعض مكاسبهم الإقليمية الأخيرة.

وربما يستحضر الحوثيون تجربتهم في المواجهة مع إسرائيل عام 2025. ففي بداية تلك المواجهة، تمكنوا من شن هجومين إلى ثلاثة هجمات يوميًا، لكن وتيرة الهجمات تراجعت تدريجيًا، حتى وصلت في الأيام الأخيرة إلى نحو هجوم واحد أسبوعيًا. ومن خلال رفع كلفة الحرب على السعودية بسرعة، قد يأمل الحوثيون في تجنب تكرار هذا السيناريو، ودفع الرياض إلى تغيير حساباتها سريعًا وردعها عن خوض حرب استنزاف طويلة.

وقد تؤثر عوامل أخرى في حسابات الحوثيين. فالجماعات العراقية المتحالفة مع إيران قد تسعى إلى مساعدتهم عبر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على السعودية، وهو ما يُعتقد على نطاق واسع أنها فعلته في سبتمبر/أيلول، عندما استهدفت خط أنابيب الشرق والغرب السعودي الذي يربط منشآت إنتاج النفط في شرق المملكة بساحل البحر الأحمر. وقد اكتسب هذا الخط أهمية متزايدة باعتباره مسارًا لنقل صادرات النفط من الخليج في ظل الصراع على السيطرة على مضيق هرمز. وكما سيأتي لاحقًا، فإن موقف إيران سيكون عاملًا مهمًا أيضًا، ومن المرجح أن يتأثر بمسار مواجهتها مع الولايات المتحدة.

ومع ذلك، تنطوي استراتيجية الحوثيين على مخاطر كبيرة، وقد تأتي بنتائج عكسية. فالهجمات التي شنوها تبدو، حتى الآن، قد عززت إصرار السعودية بدلًا من إضعافه، ودفعت الرياض إلى رفض المفاوضات وأي مخرج دبلوماسي، مع تكثيف دعمها للقوات الحكومية اليمنية.

ويبدو أن السعودية تحظى بدعم واسع من دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، وبقية العالم العربي، والدول الغربية. وقد وافقت عدة دول، من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، بالفعل على تقديم مساعدات عسكرية للمملكة. وتركزت التعهدات المعلنة حتى الآن أساسًا على تعزيز القدرات الدفاعية السعودية، بما في ذلك نشر قوات باكستانية في المملكة.

ومع اتساع نطاق الصراع، قد يتزايد الدعم العسكري المقدم للسعودية، سواء عبر اتفاقات ثنائية أو من خلال «ميثاق مكة» الذي وقعته المملكة مع تركيا وباكستان. كما أثيرت تكهنات، غذّاها اجتماع الرئيس السوري أحمد الشرع مع القيادة السعودية في الرياض يوم السادس من أكتوبر/تشرين الأول، بشأن احتمال إرسال سوريا قوات إلى المملكة. لكن دمشق نفت التقارير التي تحدثت عن طلب الرياض نشر قوات سورية، وقللت من احتمالات حدوث ذلك، وإن لم تستبعده تمامًا.

وكلما زاد الدعم الخارجي الذي تتلقاه السعودية، ارتفعت ثقتها بقدرتها على امتصاص الهجمات الحوثية وتكثيف حملتها الجوية في اليمن. وستزداد هذه الثقة على نحو خاص إذا قررت الولايات المتحدة زيادة دعمها العسكري للمملكة بصورة كبيرة، وهو احتمال ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أنه أصبح أكثر ترجيحًا بعد هجوم الحوثيين على مطار الرياض في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول، الذي أسفر عن مقتل مواطن أمريكي. وقد حذر ترامب من أنه لن ينسى ما فعله الحوثيون.

وخلاصة القول إن رفع الحوثيين الكلفة التي تتحملها السعودية لا يعني بالضرورة أنهم سيحققون مكاسب سياسية أكبر. بل قد يؤدي ذلك إلى توطيد التحالف الذي تتشكل أطرافه لمواجهتهم. وهذا السيناريو، الذي يبدو أنه بدأ يتحقق بالفعل، ينذر بمزيد من التصعيد، خصوصًا أن الحوثيين هددوا باستهداف أي دولة تتدخل عسكريًا إلى جانب السعودية. وقد ترى تلك الدول أن مساعداتها ذات طابع دفاعي بحت، لكن الحوثيين لن يرجح أن يقروا بهذا التمييز أو يعبأوا به. وقد يحاولون الرد باستهداف مصالح الدول المتدخلة، سواء في البحر الأحمر أو في مناطق أخرى. ولا تزال قدرتهم على ذلك غير مؤكدة، لكن حملتهم في البحر الأحمر خلال الفترة من 2023 إلى 2025 تظهر أن الاستهانة بمدى قدرتهم على الوصول إلى أهداف بعيدة ستكون خطأ جسيمًا.

كيف تنظر إيران إلى التصعيد في اليمن؟

يوفر التصعيد في اليمن لطهران فرصًا تكتيكية مباشرة، لكنه ينطوي أيضًا على مخاطر استراتيجية بعيدة المدى. فمن وجهة نظر إيران، فإن أي تطور يؤدي إلى مزيد من تقييد صادرات الطاقة يصب في مصلحتها. وقد انطبق ذلك على تقدم الحوثيين السابق على الساحل الغربي وسيطرتهم على باب المندب، وكذلك على هجماتهم ضد منشآت النفط السعودية، بالتزامن مع هجمات الجماعات العراقية المتحالفة مع إيران على خط أنابيب الشرق والغرب.

ومن شأن هذه التطورات، إلى جانب النفوذ الإيراني القائم على مضيق هرمز، أن تسهم في إبقاء أسعار الطاقة مرتفعة، ما قد يزيد نظريًا الضغوط على واشنطن لإنهاء الحرب.

لكن الهجوم المضاد المدعوم سعوديًا كشف في الوقت نفسه عن المخاطر التي قد تواجهها طهران إذا استمر الصراع في مساره الحالي. فعلى الرغم من التوترات التي شهدتها العلاقات بين الرياض وطهران خلال الحرب، سعت إيران إلى الحفاظ على قنوات الاتصال التي أُعيد فتحها عام 2023. ومن المرجح أن تؤدي الهجمات الحوثية المتواصلة على البنية التحتية المدنية السعودية إلى تشدد موقف المملكة، ودفعها إلى السعي لبناء جبهة أوسع في مواجهة إيران وحلفائها.

وبحسب الظروف ومسار المواجهة الإيرانية الأمريكية، قد تتجه طهران إلى خيارات مختلفة تمامًا. فقد تختار تجنب المزيد من تأزيم علاقاتها مع الرياض، من خلال محاولة إقناع الحوثيين بالامتناع عن استهداف الأهداف المدنية. وفي المقابل، قد تخلص إيران إلى أن زيادة الأعباء العسكرية والاقتصادية على المملكة من خلال هجمات الحوثيين ستعزز نفوذها في المفاوضات مع واشنطن، وتزيد الضغوط الإقليمية والدولية لإنهاء حرب آخذة في الاتساع.

كذلك، فإن استمرار الصراع اليمني يمنح إيران وقتًا إضافيًا لمساعدة الحوثيين، وإعادة تزويدهم بالأسلحة، وربما توفير قدرات أكثر تطورًا لهم. ورغم أن موارد إيران مقيدة بسبب الصراع الذي تخوضه بنفسها، فإنها قد تظل قادرة على تقديم دفعة إضافية للحوثيين.

وفي الوقت الراهن، على الأقل في التصريحات العلنية، تبعث طهران برسائل توحي برغبتها في تهدئة الأوضاع. فوفقًا للرواية الإيرانية بشأن اتصال هاتفي جرى في الثاني عشر من أكتوبر/تشرين الأول بين وزيري الخارجية الإيراني والسعودي، عرضت طهران المساعدة في تيسير الحوار بين الرياض والحوثيين، كما أفادت التقارير بأنها اقترحت وقفًا لإطلاق النار لمدة شهر.

لكن الحوثيين رفضوا العرض، مؤكدين أنهم يريدون اتفاقًا شاملًا مع السعودية، لا هدنة مؤقتة. أما الرياض، فتتعامل بتشكك مع التصريحات الإيرانية، إذ ترى أن التصعيد الحالي جزء من استراتيجية إقليمية أوسع تتبعها طهران.

إلى أي مدى ستذهب السعودية في مواجهة الحوثيين؟

لا شك في أن السعودية عازمة، في الوقت الراهن، على توجيه ضربة قاسية للحوثيين، وأنها ملتزمة، وفقًا لمراقبين سعوديين تحدثوا إلى مجموعة الأزمات الدولية، بمواصلة الحملة العسكرية رغم التكاليف التي قد تترتب عليها.

ويمثل هذا التوجه تحولًا ملحوظًا عن السنوات الأخيرة، حين بدت الرياض حريصة على الحفاظ على هدنة غير رسمية والعمل على التوصل إلى تسوية سياسية. لكن بعد سنوات من الجهود الدبلوماسية التي لم تحقق تقدمًا ملموسًا نحو التسوية، وفي ضوء موجات الضغط العسكري المتقطعة التي انتهت بالتصعيد الحالي، يبدو أن الرياض خلصت إلى أن الوقت قد حان لاتباع نهج أكثر حزمًا.

فإذا كانت الانتكاسات والتكاليف المادية والمعنوية المرتفعة لحرب عام 2015 قد دفعت السعودية في نهاية المطاف إلى تقليص عملياتها، فإن تقدم الحوثيين في اليمن وهجماتهم على المملكة يدفعان الرياض اليوم في الاتجاه المعاكس.

ومع ذلك، لن تكون المرحلة المقبلة من الحرب سهلة على السعودية. فقد عزز الحوثيون مواقعهم حول تعز، وكثفوا هجماتهم على المملكة. كما يمتلكون ميزة مهمة تتمثل في قدرتهم على إلحاق أضرار غير متناسبة مع حجم هجماتهم؛ فحتى الضربات المحدودة داخل الأراضي السعودية أو ضد أصول المملكة وبنيتها التحتية قد تكون لها آثار كبيرة، نظرًا إلى حالة القلق التي تثيرها، ولا سيما على الاقتصاد السعودي.

وتزيد هذه التداعيات من كلفة الحملة على الرياض، وتجعل تحقيق حسم عسكري أمرًا أكثر صعوبة. وفي المقابل، يمتلك الحوثيون بنية تحتية وأصولًا مادية أقل عرضة للخسارة مقارنة بالسعودية، فضلًا عن خبرة أكبر في التعامل مع القصف المستمر. وكل ذلك يشير إلى أن الضربات الجوية وحدها لن تكون كافية على الأرجح لدفعهم إلى تغيير مسارهم.

ما التداعيات الإنسانية للتصعيد المتزايد؟

في الوقت الذي تتصدر فيه التطورات العسكرية عناوين الأخبار، تحظى التداعيات الإنسانية للحرب باهتمام أقل بكثير. غير أن استئناف العمليات القتالية الشاملة أدى إلى تفاقم أوضاع إنسانية كانت متدهورة أصلًا.

وقد أسفرت المعارك على الساحل الغربي وفي تعز عن موجات نزوح واسعة. وسجلت المنظمات الإنسانية نزوح نحو 184 ألف شخص، نصفهم من محافظة تعز، لكن العدد الفعلي يُرجح أن يكون أكبر بكثير، بعدما فقدت وكالات الإغاثة إمكانية الوصول إلى مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين.

ولا تستطيع عائلات نازحة كثيرة العودة إلى منازلها، حتى في المناطق التي تراجعت فيها حدة القتال بالقرب من مساكنها، خوفًا من الاعتقال التعسفي والاضطهاد على خلفية سياسية على أيدي الحوثيين. كما تشكل الألغام الأرضية التي زُرعت حديثًا خطرًا إضافيًا، فيما تفتقر عائلات نازحة كثيرة إلى المعلومات المتعلقة بحجم الأضرار التي لحقت بمنازلها.

وفي محاولة للفرار من الخطر، انتقلت بعض الأسر إلى مناطق مجاورة لخطوط المواجهة، ما يعرضها لمخاطر جديدة، واحتمال النزوح مرة أخرى إذا امتدت العمليات القتالية.

ويثير وضع تعز، التي يبلغ عدد سكانها نحو نصف مليون نسمة، قلقًا بالغًا. فقد قطعت القوات الحوثية الطرق الرئيسية المؤدية إلى المدينة أو فرضت قيودًا على استخدامها، ما جعل إدخال المياه والوقود والمواد الغذائية والأدوية وغيرها من المستلزمات الحيوية أكثر صعوبة، وأدى إلى استنزاف المخزونات المتاحة وارتفاع الأسعار.

وبدأت محطات الوقود تنفد من الإمدادات، فيما تتراجع احتياطيات الغذاء، ويقترب القتال من الأحياء السكنية. وإذا استمرت القيود على الوصول إلى المدينة، فقد تتحول الأزمة الإنسانية الخطيرة القائمة بالفعل إلى كارثة واسعة النطاق.

ما السيناريوهات الأكثر ترجيحًا في المدى القريب؟

بحلول وقت إعداد هذا التقرير، بدا أن الحوثيين والسعودية يسيرون في مسار تصعيدي يصعب التراجع عنه، في ظل تبادل التهديدات باستهداف مواقع جديدة.

وفي الثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول، استهدفت السعودية مستودعات للنفط في صنعاء والحديدة. وكان الحوثيون قد حذروا من أنهم سيستهدفون المقر الرئيسي لشركة أرامكو في الظهران، ومطار الملك خالد الدولي في الرياض، ومصفاة أرامكو في الرياض، إذا نُفذت مثل هذه الهجمات. وفي وقت لاحق من مساء اليوم نفسه، نفذ الحوثيون تهديداتهم، بحسب التقارير.

وبعيدًا عن ذلك، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة في المدى القريب.

السيناريو الأول: فقدان الهجوم الحكومي زخمه والعودة إلى حرب الاستنزاف.

قد يتمكن الحوثيون من امتصاص خسائرهم، ما يصعّب على القوات المتحالفة مع الحكومة الاحتفاظ بالأراضي التي استعادت السيطرة عليها. وقد يستمر القتال فترة من الزمن من دون أن يؤدي إلى تغيير حاسم في ميزان القوى الميداني.

وفي نهاية المطاف، قد يوفر هذا الجمود حوافز للطرفين لاستكشاف إمكانية التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو ترتيبات أمنية محدودة، من دون أن يعني ذلك حل الخلاف السياسي الأوسع. وقد يستغرق تحقق هذا السيناريو وقتًا طويلًا، مع احتمال استمرار القتال والمفاوضات بالتوازي بدلًا من أن يأتي أحدهما بعد الآخر.

السيناريو الثاني: ترسيخ الحكومة مكاسبها على الساحل وتصاعد الضغط العسكري على الحوثيين.

قد تتمكن الحكومة من تثبيت مواقعها التي استعادت السيطرة عليها على الساحل، ثم زيادة الضغط تدريجيًا على الحوثيين، مستفيدة من التفوق الجوي السعودي. وقد تتجاوز الحملة، عندئذ، هدف استعادة الأراضي التي خسرها حلفاء الحكومة خلال الأسابيع الأخيرة، لتبدأ في تغيير ميزان القوى العسكري في البلاد بصورة أوسع.

وفي هذه الظروف، يُتوقع أن يسعى الحوثيون إلى إعادة تنظيم صفوفهم، ومقاومة التقدم، وإعادة تموضع قواتهم، والحد من خسائرهم، وشن هجمات مضادة حيثما أمكن. ويبدو أنهم يمتلكون القدرة على ذلك، بعدما أنشأوا على مدى سنوات الحرب وفترات الهدوء غير المستقرة شبكات عسكرية ولوجستية راسخة.

ومن المرجح أيضًا أن يواصلوا إطلاق الهجمات على السعودية، انطلاقًا من اعتقادهم بأن تصاعد التكاليف الاقتصادية والأمنية سيدفع الرياض إلى إعادة النظر في نهجها.

السيناريو الثالث: تراجع حوثي أوسع يبدأ في التأثير على الوضع العسكري والسياسي للجماعة.

لن تكون الخسائر الإقليمية المحدودة وحدها كافية للدلالة على حدوث تحول من هذا النوع. لكن المؤشرات الأكثر أهمية قد تشمل ظهور انقسامات داخل قيادة الحوثيين، وتراجع الدعم المحلي لهم، وظهور مشكلات في التعبئة أو الإمداد، أو عجزهم عن إقامة خطوط دفاع فعالة خلف المناطق التي فقدوها.

وإذا تزامنت عدة تطورات من هذا القبيل، فقد تتمكن القوات الحكومية من التقدم إلى مناطق أعمق، وربما تفتح الطريق نحو المناطق المحيطة بصنعاء.

ومع ذلك، سبق للحوثيين أن استوعبوا انتكاسات عسكرية كبيرة من دون أن يفقدوا تماسكهم التنظيمي. ومن هنا، فإن أهمية الهجوم المضاد الحالي لن تتحدد بقدر الأراضي التي يخسرها الحوثيون فحسب، بل بمدى تأثير تلك الخسائر في البنية التنظيمية والعسكرية التي مكنتهم من مواصلة الحرب.

وقد تتداخل هذه السيناريوهات أيضًا؛ إذ يمكن أن يعقب التقدم الحكومي السريع طور من حرب الاستنزاف، كما قد يؤدي استمرار الضغط العسكري في نهاية المطاف إلى تهيئة الظروف للمفاوضات.

أما العودة إلى الحوار، فإن التطورات الميدانية لا تساعد عليها في الوقت الراهن. فقد شهدت الأشهر الثلاثة الماضية تغيرًا في موازين القوى بين الطرفين، واتساعًا للفجوة بين مواقفهما.

وحتى قبل هجوم الحوثيين الخاطف على الساحل الغربي، كانت الجماعة، مدفوعة بثقتها المتزايدة، قد وسعت قائمة مطالبها. وبعد مكاسبها الإقليمية، ولا سيما السيطرة على مناطق مجاورة لباب المندب، أبدت استعدادًا للعودة إلى المفاوضات، ولكن من موقع قوة أكبر وبمطالب أوسع نطاقًا، وصلت إلى حد المطالبة باعتراف سياسي بها بوصفها سلطة شرعية في اليمن.

ولم يكن التحالف الذي تقوده السعودية مستعدًا لقبول تلك المطالب آنذاك، ومن المستبعد أن يكون أكثر استعدادًا لقبولها الآن، في ظل تركيزه على عكس تقدم الحوثيين واستغلال الزخم العسكري لاستعادة الأراضي التي كانت خاضعة لسيطرتهم قبل المواجهة الأخيرة.

وبناءً على ذلك، استبعد التحالف في الوقت الراهن العودة إلى المسار السياسي.

ما السبيل الأفضل لخفض التصعيد؟

لن يكون كسر هذه الحلقة أمرًا سهلًا، في ظل الطريقة التي ينظر بها الطرفان إلى حجم الرهانات في الصراع. ومن بين السبل الممكنة لوقف القتال الجديد وتجنب الدمار الذي ينذر به، العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل اندلاع المواجهة الأخيرة؛ أي انسحاب الحوثيين من جميع المناطق التي استولوا عليها منذ سبتمبر/أيلول على امتداد الساحل الغربي وفي ريف تعز، والتي لا تزال تحت سيطرتهم، مقابل وقف العمليات العسكرية من جانب التحالف الذي تقوده السعودية والقوات المتحالفة مع الحكومة.

ومن الناحية المثالية، يمكن لمثل هذه الهدنة الفعلية أن تهيئ الظروف لعودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات واستئناف المناقشات بشأن خارطة طريق سياسية.

ورغم أن تحقيق هذه النتيجة قد يبدو مستبعدًا، فإنها ستحقق فوائد للطرفين. فالـحوثيون يبدون مقتنعين بأنهم أقدر من السعودية على تحمل الخسائر، وأن قدرتهم على الصمود تفوق قدرة القوات الحكومية. ومع ذلك، فإن تكاليف مواصلة الحرب تتزايد.

وتشير تقارير إلى مقتل مئات من مقاتلي الحوثيين في الغارات الجوية، ورغم أن الجماعة لم تكشف عن حجم خسائرها، فإن مصادر في صنعاء تتحدث عن خسائر فادحة. ولا شك في أن الحوثيين يرون في تقدمهم داخل تعز دليلًا على أنهم لا يزالون قادرين على المناورة والتفوق على خصومهم. لكن نجاحهم قد يكون مؤقتًا؛ إذ يمكن للقوات الحكومية شن هجوم مضاد مماثل للهجوم الذي نفذته في الغرب، حيث ساعد التفوق الجوي على استعادة أجزاء واسعة من الساحل المحاذي لباب المندب وذباب خلال ساعات.

وفي المحصلة، فإن استمرار القتال سيؤدي إلى تعميق الصعوبات الاقتصادية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وقد يتسبب في خسارتهم مزيدًا من الأراضي.

أما السعودية والحكومة اليمنية، فلا تبدوان مستعدتين للتفاوض في الوقت الراهن. فهما تعتقدان، على الأرجح، أن الحملة العسكرية تضعف الحوثيين، وأن ا

تقارير

بلومبيرغ: واشنطن نصحت الرياض بعدم شن هجوم بري في اليمن وسط ضغوط واختلاف في الخيارات العسكرية

ذكرت بلومبيرغ أن ذلك يأتي بالتزامن مع امتناع إدارة ترامب عن المشاركة المباشرة في العمليات الهجومية ضد الحوثيين، رغم استمرار تقديم المعلومات الاستخبارية وبيانات تحديد الأهداف والتزود بالوقود، وهو ما يكشف أن الخلاف لا يقتصر على حجم المساعدة الأميركية بل يشمل أيضاً الخيارات العسكرية التي يمكن للرياض اعتمادها.

تقارير

في مدينة تعز اليمنية.. القصف يشتد والأسعار تقفز

أصبحت تعز، وهي ثالث أكبر مدن اليمن، مسرحا رئيسيا للصراع بين الحوثيين والحكومة المدعومة من السعودية، وذلك بعد ‌أن اشتعل فتيل الحرب بينهما مجددا الشهر الماضي على خلفية المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.