تقارير
قطرة ماء بأسعار مضاعفة.. الحوثيون يدفعون ثالث أكبر مدن اليمن نحو الكارثة
تعاني مدينة تعز من شحّ مياه الشرب منذ أكثر من عقد من الزمان، غير أن المشكلة بلغت مستويات أزمة حادة خلال الأسابيع الأخيرة مع فرض المتمردين الحوثيين المدعومين من إران حصاراً على ثالث أكبر مدن اليمن، في ظل تصاعد حدة النزاع مع القوات الحكومية.
وتفيد منظمات إنسانية بأن الاحتياجات الأساسية لسكان تعز، الذين يتجاوز عددهم المليون نسمة، أصبحت تُلبّى بشدة وبأدنى المستويات، في ظل صعوبة الوصول إلى الآبار، وتراجع الوقود في محطات تحلية المياه، ومنع شاحنات نقل المياه بدرجة كبيرة من دخول المدينة.
وأمام هذا الوضع، أضحت الأسر ترشّد استخدام كل قطرة مياه. فقبل فرض الحصار على تعز، كانت هديل الشهيد وطفلاها يستهلكون نحو 10 لترات (نحو 2.6 غالون) من المياه المعبأة يومياً لأغراض الشرب والطهي؛ أما الآن، فهم يضطرون لجعل الكمية نفسها تكفيهم لنحو أربعة أيام.
وقالت هديل الشهيد في اتصال هاتفي: "توقفنا عن شرب القهوة والشاي، بعد أن كنا نشربهما يومياً".
وتدفع عائلات، مثل عائلة هديل، مبالغ تصل إلى 75% إضافية للحصول على المياه المعبأة مقارنة بما كانت تدفعه قبل أسابيع قليلة فقط، بل إن بعض الأسر بدأت تشتري المياه بالأجل (على الحساب).
ولا يقتصر حصار تعز — التي تُعد بوابات استراتيجية ونقطة عبور رئيسية نحو جنوب اليمن — على خنق إمدادات المياه فحسب، بل أدى نقص المواد الغذائية والسلع التموينية إلى ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية. كما تشهد المدينة نقصاً حاداً في الوقود، ما يجعل من الصعب الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية مثل المستشفيات وخدمات الإصحاح البيئي، وهو ما يضاعف من المخاطر المخيمة على الصحة العامة.
وقد دعت منظمة العفو الدولية الحوثيين إلى فتح الطرق المؤدية إلى المدينة فورا، مؤكدة أن تعز تُدفع دفعاً نحو "شفا كارثة إنسانية محققة".
الحوثيون يشددون الخناق على تعز ويقطعون وصول السكان إلى الآبار
انزلق اليمن إلى أتون الحرب الأهلية عام 2014، عندما سيطر الحوثيون على معظم أجزاء شمال البلاد، بما في ذلك العاصمة صنعاء، وجبروا الحكومة المعترف بها دولياً على المغادرة إلى المنفى. ومنذ ذلك الحين، أصبحت تعز بؤرة رئيسية للاقتتال والمعارك.
وقد أدت الأضرار الناجمة عن الحرب في البنية التحتية المتهالكة للمياه بتعز إلى تفاقم الضغوط الناتجة عن النمو السكاني وموجات الجفاف المتكررة، ما أسفر عن انحسار مخزون المياه الجوفية. ولجأ السكان إلى الاعتماد على شاحنات نقل المياه عبر الشراء، والتي كانت تشكل بديلاً موثوقاً إلى حد كبير — حتى الآونة الأخيرة.
وبحلول شهر أغسطس، اتسعت رقعة المواجهات في اليمن لتصبح جبهة أوسع ضمن الصراع الإقليمي. وتصاعد زحف الحوثيين نحو تعز في الشهر الماضي، عقب سيطرتهم الخاطفة على مدينة المخا الساحلية، وهي منطقة تبعد نحو 130 كيلومتراً (80 ميلاً) وتكتسب أهمية حيوية للسيطرة على حركة الملاحة عبر البحر الأحمر.
ومع بسط القوات الحوثية سيطرتها على المزيد من الأراضي والطرق المحيطة بتعز، انقطعت سبل وصول السكان إلى الآبار القريبة، وتراجعت شحنات المياه القادمة من خارج المدينة.
أما سائقو الشاحنات الذين نجحوا في إيصال المياه إلى داخل تعز، فقد رفعوا أجورهم في بعض الحالات إلى ثلاثة أضعاف لتغطية مخاطر هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر.
ومع شح إمدادات الوقود في تعز، تصارع مؤسسة المياه المحلية من أجل تسيير عملياتها المحدودة، بينما تعمل محطات التخليص والتحلية بأقل بكثير من طاقتها الاستيعابية.
المدينة تعاني أيضاً من نقص الوقود والغذاء
منذ أغسطس، استقبلت محافظة تعز، التي تضم المدينة والمناطق المحيطة بها، زهاء نصف النازحين من مناطق أخرى في اليمن بسبب القتال — ويُقدر عددهم بنحو 124,000 شخص، وفقاً لخبراء الهجرة التابعين للأمم المتحدة. ويشكل ذلك ضغطاً مضاعفاً على الإمدادات المحدودة أساساً من المياه والاحتياجات الضرورية الأخرى في تعز.
وأوضح ينس لاركه، المتحدث باسم قسم الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة المعني بالمساعدات الطارئة، أن بعض العائلات النازحة تعيش حالياً في الملاجئ والمخيمات المؤقتة، وتقتات على وجبة واحدة في اليوم.
كما أصبحت المحروقات اللازمة للطهي وسائل النقل شحيحة وباهظة الثمن. ووفقاً لـ هاني بافقيه، خبير المياه والإصحاح البيئي والنظافة في منظمة "كير" الإنسانية باليمن، فقد ارتفع سعر غاز الطهي إلى أكثر من أربعة أضعاف. وللتغلب على ذلك، تلجأ بعض الأسر إلى إعداد الطعام على ألسنة النيران المشتعلة من الخشب أو الفحم أو الورق المقوى.
وأدى هذا النقص في الوقود إلى إعاقة عمل المطابخ المجتمعية التي توفر الوجبات الساخنة مجاناً للعائلات، كما أجبر خدمات جمع المخلفات والقمامة على التوقف.
وقال لاركه: "إن مظاهر النقص يغذي بعضها بعضاً؛ فمن دون الوقود، تتوقف مضخات المياه، ومولدات المستشفيات، وخدمات جمع النفايات الصلبة. ومع تناقص المياه النظيفة وتراكم القمامة، يرتفع خطر تفشي الأمراض، بما في ذلك الكوليرا". وأضاف أن المخاطر الصحية تزداد سوءاً بسبب لجوء الأسر العطشى إلى سحب المياه من آبار غير محمية قد تكون ملوثة بأمراض تنقلها المياه.
كما تشهد أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً كبيراً؛ إذ ارتفعت أسعار الدقيق والأرز بنحو 50% مقارنة بما كانت عليه خلال الصيف، وفقاً لمنظمات الإغاثة، فيما يصعب العثور على الفواكه والخضروات.
ويعيش أحمد عبد الجابر مع تسعة من أفراد عائلته بين أنقاض مبنى آخر بعد نزوحهم من منزلهم بسبب القتال. وكان كسب عيشه من نقل مواد البناء، لكن هذا الدخل لم يعد مستقراً وأصبحت عائلته بالكاد تؤمن قوت يومها.
وقال في اتصال هاتفي: "نعتمد بشكل كبير على المساعدات والتبرعات من فاعلي الخير للحصول على الطعام".
ومن جانبها، قالت هديل الشهيد، وهي صاحبة صالون حلاقة وتجميل، إن دخلها جف هو الآخر قبل بضعة أسابيع؛ حيث أُجبر الصالون على إغلاق أبوابه بعد أن بدأ الزبائن بتقديم أولويات الإنفاق على الطعام والمياه. وأضافت أن ابنتها البالغة من العمر 10 سنوات وابنها البالغ من العمر 5 سنوات يقتصر طعامهما الآن في الغالب على الأرز والخبز والجبن.
أهمية تعز بالنسبة للحوثيين
في الوقت الذي لا تزال فيه الحكومة اليمنية تسيطر على وسط مدينة تعز، فإن الحصار يجعل من الصعب إيصال الإمدادات والعتاد إلى قواتها هناك. وفي التلال المحيطة بتعز، تحاول القوات الحكومية صد الحوثيين، لكنها تواجه مقاومة شرسة، ولا سيما في المناطق الواقعة شرق المدينة.
ويرى محللون أن السيطرة على مدينة تعز تمثل أمراً حيوياً بالنسبة للحوثيين إذا ما أرادوا التقدم جنوباً نحو عدن ولحج، غير أن تحقق ذلك لن يكون بالأمر السهل.
وقال أحمد ناجي، كبيـر المحللين في مركز المعهد الدولي لإدارة الأزمات: "إن أي محاولة من جانب الحوثيين للسيطرة على أجزاء من المدينة، ناهيك عن الاستيلاء عليها بالكامل، ستتطلب على الأرجح معركة طويلة الأمد ومكلفة، مع وقوع خسائر بشرية جسيمة في صفوف مقاتلي الحوثي".
وصرح ثلاثة مسؤولين حوثيين بأن الجماعة تسيطر على نحو 80% من الأرياف المحيطة بتعز والعديد من الأحياء الرئيسية داخل المدينة.
ولم تتمكن "أسوشيتد برس" من التحقق بشكل مستقل من صحة ادعاءات هؤلاء المسؤولين الذين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هوياتهم لأنهم غير مصرح لهم بالتحدث للإعلام، إلا أن وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة أقرت بتشديد الجماعة قبضتها على المدينة.
وذكر المسؤولون أن معركة الحوثيين للسيطرة على المدينة تزداد صعوبة ومعاكسة بسب كثرة سكانها المدنيين.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أصابت صواريخ أطلقها الحوثيون منطقة سكنية في تعز، ما أدى إلى مقتل فتاتين في مقتبل العمر وتسليط الضوء مجدداً على المخاطر الجسيمة التي يواجهها المدنيون.
وقال عبد الجابر إنه يسمع دوي انفجارات شديدة يومياً ناتجة عن القتال الدائر على بعد نحو 5 كيلومترات (3 أميال). ولا تستطيع العائلة العودة إلى منزلها في إحدى القرى الجبلية حرصاً على سلامتهم.
أما بالنسبة لهديل الشهيد، فإن مغادرة تعز ليست خياراً متاحاً لأن تكاليف السفر واستئجار منزل في محافظة أخرى أمر يفوق قدرتها المادية تماماً.
وقالت هديل: "البقاء في منزلنا أمر لا مفر منه - سواء كان ذلك مسألة حياة أو موت".