تقارير
حرب باردة بين السعودية والإمارات.. اليمن كنقطة خلاف مركزية بين الرياض وأبوظبي
في أعقاب الربيع العربي، أصبحت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة المهندسين الرئيسيين لمحور مضاد للثورات شكّل بعمق النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط بعد عام 2011. وقد وحّد بينهما هدف مشترك يتمثل في مواجهة إيران وقطر وتركيا وجماعة الإخوان المسلمين، ما أرسى سنوات من التوافق الوثيق بين هذين العضوين في مجلس التعاون الخليجي. لكن مع مرور الوقت، بدأت المصالح المتباينة تخلق توترات متصاعدة، وأصبح اليمن تدريجيًا نقطة خلاف مركزية.
وقد تصاعد الاحتكاك علنًا بحلول أواخر عام 2025، وبلغ ذروته في الغارات الجوية السعودية في 30 ديسمبر/كانون الأول 2025 ضد قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا في ميناء المكلا. وأوقفت هذه الضربات التقدم السريع للمجلس الانتقالي في جنوب وشرق اليمن، ما أدى إلى حله رسميًا في 9 يناير/كانون الثاني 2026. ورغم أن هذه الانتكاسات تُعد لافتة بالنسبة للإمارات، فإن أبوظبي لا تنظر إليها على أنها حاسمة. وهذا يشير إلى أن اليمن سيظل ساحة تنافس في إطار “الحرب الباردة” السعودية-الإماراتية الناشئة، والتي سيكون لها تأثير كبير على ديناميكيات المنطقة، رغم أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية تصرف الانتباه عن هذا التنافس في الوقت الراهن.
في مارس/آذار 2015، انضمت الإمارات إلى التحالف العسكري العربي الذي تقوده السعودية وأطلق عملية عاصفة الحزم لمواجهة الحوثيين الذين كانوا قد سيطروا على صنعاء ومناطق أخرى من اليمن في العام السابق. وبينما نظرت الرياض وأبوظبي إلى الحوثيين وإيران باعتبارهما تهديدًا مشتركًا، فإن أهدافهما اختلفت. فقد ركزت السعودية على قتال الحوثيين على طول الحدود السعودية-اليمنية، بينما ركزت الإمارات على مصالحها الجيواقتصادية في جنوب اليمن، وانخرطت في معارك ضد الجماعات الإسلامية السنية في تلك المنطقة.
وبحلول عام 2017، تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي وأصبح جماعة انفصالية قوية، مدعومة إلى حد كبير من الإمارات. وأدت الاشتباكات بين المجلس الانتقالي والقوات اليمنية المدعومة سعوديًا إلى توتر داخل التحالف المناهض للحوثيين. ومع تركيز كل من الرياض وأبوظبي على خفض التصعيد، جرى احتواء هذه التوترات عبر سلسلة من التسويات، أبرزها اتفاق الرياض عام 2019.
أما تشكيل مجلس القيادة الرئاسي عام 2022، فكان محاولة لتوحيد الفصائل اليمنية المناهضة للحوثيين، بما في ذلك القوى المتحالفة مع السعودية والمؤيدة للحفاظ على وحدة اليمن بعد عام 1990، والمجلس الانتقالي الجنوبي، ضمن هيئة حكم واحدة. ومع ذلك، أثبت المجلس محدودية فاعليته وعجزه عن تجاوز مصادر الانقسام العميقة داخله، وخاصة بين المجلس الانتقالي وحزب الإصلاح المدعوم سعوديًا.
وبحلول 3 ديسمبر/كانون الأول 2025، كان المجلس الانتقالي قد نفذ عمليات عسكرية كافية لوضع معظم الأراضي التي كانت تمثل دولة جنوب اليمن السابقة تحت سيطرته. وامتد نفوذه شمالًا حتى الحدود السعودية في حضرموت، وشرقًا حتى الحدود العمانية في المهرة. واعتبرت السعودية أن تحركات المجلس الانتقالي تجاوزت “خطًا أحمر” حاسمًا، خاصة بعدما وصلت أنشطته المزعزعة للاستقرار إلى حدودها. وما زاد الاستفزاز بالنسبة للرياض هو توقيت هذه العملية، إذ تزامنت مع القمة السنوية السادسة والأربعين لمجلس التعاون الخليجي. وخلص مسؤولون في الرياض إلى أن أبوظبي منحت الجماعة الانفصالية موافقة ضمنية للمضي قدمًا في خططها.
وجاء التدخل العسكري السعودي المباشر في 30 ديسمبر/كانون الأول 2025 متزامنًا مع عمليات منسقة نفذتها فصائل يمنية مدعومة من الرياض. وأسفر ذلك عن استعادة قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا الأراضي التي سيطر عليها المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة أولًا، ثم نقل المعركة إلى عدن. وبحلول 9 يناير/كانون الثاني 2026، أعلن المجلس الانتقالي حل نفسه، بعد عشرة أيام فقط من إعلان الإمارات سحب قواتها لمكافحة الإرهاب، وهي خطوة وصفتها أبوظبي بأنها تهدف إلى خفض التصعيد.
-مساعي الرياض لترسيخ النفوذ
عقب الانسحاب العسكري الإماراتي من اليمن وحل المجلس الانتقالي في أواخر 2025 وبدايات 2026، عملت الرياض على تعزيز نفوذها في المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين. ويعد هذا الجهد واسع النطاق ومكلفًا، مدعومًا بمليارات الدولارات من المساعدات المعلنة، بهدف لا يقتصر على تحقيق الاستقرار في اليمن، بل يشمل أيضًا إعادة تشكيل المشهدين السياسي والأمني بما يتماشى مع المصالح الاستراتيجية السعودية.
غير أن حجم الطموح السعودي يقابله حجم العقبات التي تواجهه. فوقف إطلاق النار مع الحوثيين في الشمال لا يزال هشًا، وتعقده الحرب مع إيران، بينما تؤدي الخصومات المزمنة بين الميليشيات والقبائل في المناطق غير الخاضعة للحوثيين إلى تعقيد أي محاولة لفرض سلطة مركزية. كما أن الاقتصاد اليمني يمر بأزمة حادة تزيد من عبء المساعدات السعودية. وخلال عام 2026 وحده، خصصت الرياض نحو 3 مليارات دولار لدفع رواتب العسكريين والموظفين المدنيين، بمن فيهم القوات الجنوبية التي كانت مدعومة سابقًا من الإمارات.
وفي 6 فبراير/شباط 2026، أعلن مجلس القيادة الرئاسي تشكيل حكومة جديدة مدعومة سعوديًا برئاسة رئيس الوزراء شايع محسن الزنداني، بعد أشهر من المشاورات في الرياض. وترث هذه الحكومة جهاز دولة أضعفته عوامل الفساد والمحسوبية والاستقطاب المرتبط بالحرب، وهي اختلالات هيكلية لا يمكن إصلاحها سريعًا. ويتمثل تحديها الأساسي في ما إذا كانت تستطيع تحويل السلطة الشكلية إلى سيطرة فعلية وشرعية داخلية، لا سيما في عدن. وفي ظل هشاشة الوضع الأمني، وارتفاع التوقعات، واستمرار خطر التشظي، قد تمثل هذه اللحظة نافذة ضيقة لإعادة تأسيس سلطة دولة متماسكة.
وتعتقد الرياض أن توحيد الجبهة المناهضة للحوثيين بقيادتها سيدفع أنصار الله إلى تقديم تنازلات جوهرية. غير أن الانقسامات المتجذرة في اليمن تثير تساؤلات حول ما إذا كانت الحوافز المالية والدعم السياسي قادرين على خلق وحدة دائمة بين جماعات تتسم ولاءاتها بالتقلب وعدم اليقين.
أما الإمارات، فلا ترى أن انتكاساتها في اليمن دائمة. فانسحاب قواتها لمكافحة الإرهاب لا يمنع أبوظبي من تعزيز مصالحها عبر الوكلاء والشركاء المحليين. وبعد سنوات من الاستثمار المكثف، لا تزال للإمارات رهانات كبيرة في البلاد. وفي ظل قيادة الرئيس محمد بن زايد المعروف بالمثابرة الاستراتيجية، هناك أسباب قوية للاعتقاد بأن أبوظبي ستبحث عن فرص للعودة بقوة إلى اليمن، وربما على حساب السعودية.
-رؤيتان متباينتان
بالنسبة للسعوديين، يُعد اليمن عمقًا استراتيجيًا وخط تماس في آن واحد. فهو مساحة واسعة تمثل عمقًا دفاعيًا، وفي الوقت نفسه مصدر هشاشة على امتداد الحدود الجنوبية الطويلة للمملكة. ولا توجد دولة مجاورة أخرى تؤثر في الأمن الداخلي السعودي والطموحات الاقتصادية والنفوذ الإقليمي بالمقدار نفسه. فاليمن المجزأ أو المعادي يترك المملكة عرضة لنشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود، وتهريب السلاح، وتداعيات الصراع المزعزعة للاستقرار.
وفي المقابل، فإن يمنًا موحدًا ومستقرًا، تحكمه إدارة صديقة للرياض، يشكل منطقة عازلة واقية ومرتكزًا جيوسياسيًا. ومن هذا المنظور، فإن استقرار اليمن ليس مجرد ملف دبلوماسي هامشي، بل أولوية أمن قومي رئيسية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهدف الرياض الأوسع المتمثل في ترسيخ النظام والاستقرار في المنطقة.
إلى جانب المخاوف الأمنية، هناك عامل اقتصادي ملحّ. فالرياض تنظر إلى الساحل اليمني الطويل وشبكة موانئه على البحر الأحمر وبحر العرب باعتبارها أصولًا استراتيجية حيوية. ويمكن أن تمثل هذه الموانئ مسارات بديلة للتصدير، خاصة بعد تعطل مضيق هرمز بشدة نتيجة الحصار الفعلي الذي فرضته إيران منذ أوائل مارس/آذار 2026. وقد أدى الانخفاض الحاد في حركة ناقلات النفط، التي هبطت إلى أقل من 10 بالمئة من مستوياتها الطبيعية وسط الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية، إلى إعادة صياغة كبيرة لمسارات الشحن.
وفي هذا المناخ المليء بالمواجهات النشطة، ووقف إطلاق النار الهش، والحصارات المتنافسة، لم يعد تنويع مسارات العبور مجرد تخطيط نظري، بل أصبح تحوطًا عمليًا وفوريًا ضد الاضطراب الجيوسياسي. وقد سرعت السعودية استخدام خط أنابيب الشرق-الغرب إلى موانئ البحر الأحمر مثل ينبع لتجاوز مضيق هرمز، رغم أن هجمات إيرانية حديثة خفضت طاقته مؤقتًا.
كما أن تهديد إغلاق مضيق باب المندب من قبل الحوثيين دعمًا لإيران في هذه الحرب، يزيد من مصلحة السعودية في تطوير ممرات طاقة بديلة عبر يمن مستقر ومتعاون، ما قد يمنح المملكة مرونة إضافية. وفي ظل هذه الظروف، يمكن لموانئ اليمن وسواحله أن توفر للرياض حماية من الاضطرابات ومزيدًا من الصمود في ضمان التدفق المستمر لصادرات الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد السعودي.
أما بالنسبة للإمارات، فإن اليمن يحتل مكانة مختلفة – وإن كانت استراتيجية بالقدر نفسه – ضمن رؤيتها الإقليمية. فأبوظبي ترى اليمن حلقة أساسية في شبكتها البحرية المتنامية، كجزء من سلسلة أوسع من الموانئ التجارية والمراكز اللوجستية والشراكات الأمنية الممتدة عبر البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي. ومن هذا المنظور، فإن الانخراط في اليمن يتعلق أقل بالسيطرة الإقليمية وأكثر بتعزيز النفوذ على طول الممرات البحرية الحيوية التي تربط التجارة العالمية بالمصالح التجارية والبحرية الإماراتية. والسيطرة على الموانئ اليمنية أو الشراكة فيها تعزز قدرة الإمارات على التأثير في المعادلات البحرية، وترسخ هويتها كقوة كبرى على ضفاف البحر الأحمر.
وبينما تدرك كل من الرياض وأبوظبي الأهمية الاستراتيجية لليمن، فإنهما تفسران قيمته من زاويتين مختلفتين: فبالنسبة للسعودية، اليمن درع لا غنى عنه وشريان احتياطي للطوارئ؛ أما بالنسبة للإمارات، فهو حجر زاوية في استراتيجية بحرية أوسع تهدف إلى توسيع النفوذ عبر مياه مترابطة. ويساعد هذا التباين في الرؤى الاستراتيجية على تفسير التنافس بين القوتين الخليجيتين، إذ تسعى كل منهما إلى ضمان الاستقرار في اليمن وفق تصور إقليمي منسجم مع طموحاتها الخاصة.
وفي الوقت الراهن، يبدو أن السعودية تمتلك اليد العليا في اليمن. لكن الإمارات لم تفقد موطئ قدمها، ومن المرجح أن تنتظر اللحظة المناسبة لإعادة تأكيد نفوذها. غير أن هذا التفوق السعودي الظاهر في اليمن يجري ضمن سياق إقليمي أوسع يحد مؤقتًا من التنافس العلني بين القوتين الخليجيتين.
الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية: هدنة هشة تخفي تنافسًا عميقًا
دفعت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية السعودية والإمارات إلى تنحية خلافاتهما جانبًا – ولو مؤقتًا – والسعي إلى قدر أكبر من الوحدة بين الدول الخليجية العربية في مواجهة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية على دول مجلس التعاون. وأظهرت المناقشات بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الإماراتي محمد بن زايد خلال الصراع عزمهما المشترك على مواجهة التهديد الإيراني. غير أن هذه الوحدة لم تُزل القضايا الجوهرية بين الرياض وأبوظبي.
وكان وقف إطلاق النار الهش لمدة أسبوعين الذي توسطت فيه باكستان قد انتهى رسميًا في 22 أبريل/نيسان، لكن الرئيس دونالد ترامب أعلن تمديده إلى أجل غير مسمى قبل ساعات من انتهاء المهلة، بناءً على طلب باكستان. ومع ذلك، ما زالت التوترات قائمة، لا سيما بشأن السيطرة على مضيق هرمز وقضايا الأمن الإقليمي الأوسع.
ورغم أن الرياض وأبوظبي بذلتا الكثير لتجاوز خلافاتهما والتركيز على التهديد الإيراني منذ أواخر فبراير/شباط، فإن هناك مؤشرات على تباعد استراتيجياتهما في التعامل مع تداعيات هذه الحرب. فالسعودية تميل أكثر إلى خفض التصعيد، وتشكك في جدوى حصار إدارة ترامب لمضيق هرمز، بينما أظهرت الإمارات انسجامًا أكبر مع الموقف المتشدد للبيت الأبيض تجاه طهران طوال هذا الصراع. وعلى المدى المقبل، وبغض النظر عن مصير الهدنة الحالية، يمكن للحرب مع إيران أن تتحول تدريجيًا إلى نقطة توتر إضافية في العلاقات السعودية-الإماراتية، إلى جانب ملفات أخرى مثل اليمن والصومال والسودان وفلسطين.
-السيناريوهات
الأكثر ترجيحًا: يمن مجزأ
تكافح السعودية لتوحيد اليمن تحت وصايتها. وتستمر طموحات الاستقلال الجنوبي في تحفيز جماعات مثل المجلس الانتقالي، التي تستفيد من المعارضة المحلية للتيارات السلفية والإسلامية السنية التي عززها نفوذ الرياض ودعمها. وتُضعف الانقسامات العميقة بين الفصائل اليمنية الآمال في مصالحة وطنية شاملة برعاية سعودية. وفي هذا الوضع، تنجح استراتيجية أبوظبي القائمة على الانسحاب ثم إعادة التمركز، ما يسمح للإمارات بالعودة بقوة إلى المشهد السياسي اليمني المنقسم.
الأقل ترجيحًا: يمن موحد تحت رعاية سعودية
يحقق اليمن قدرًا من الاستقرار تحت إشراف سعودي. وتنجح الرياض في استيعاب قادة ومقاتلي المجلس الانتقالي السابقين، ومعالجة المظالم الجنوبية عبر حوار شامل وجامع يقلل من خطر التشظي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الهدنة الفعلية مع الحوثيين، الذين يدخلون في مفاوضات جادة مع خصومهم اليمنيين. وفي هذا السيناريو، تحتفظ الإمارات ببعض النفوذ في الشأن اليمني، لكنه يصبح أقل بكثير من النفوذ السعودي.