تقارير

حرب السعودية في اليمن تضع باكستان في موقف صعب

17/10/2026, 08:13:00
المصدر : فايننشال تايمز

عندما سعت باكستان إلى سد فجوة مالية بقيمة ثلاثة مليارات دولار في أبريل الماضي، سارعت السعودية إلى إنقاذها عبر حزمة مساعدات مالية طارئة، سلطت الضوء على اعتماد إسلام آباد الكبير على الأسرة الحاكمة في المملكة.

ومع تساقط صواريخ الحوثيين المدعومين من إيران على مدن في السعودية، وشن القوات المدعومة من الرياض هجوماً جديداً في اليمن، فعّلت السعودية اتفاقية للدفاع المشترك، ما دفع باكستان نحو صراع أمضت أشهراً تحاول تجنب الانخراط فيه، ويحظى بمعارضة شعبية واسعة في الداخل.

وجدد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف تأكيد "التزام إسلام آباد الراسخ بسيادة السعودية ووحدة أراضيها وأمنها"، بعد هجوم صاروخي أسفر السبت عن مقتل ثلاثة عشر شخصاً وإصابة المئات في مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وأسفر هجوم منفصل استهدف المطار يوم الأحد عن مقتل مواطن باكستاني.

وقد أرسلت باكستان قوات عسكرية ومدربين إلى السعودية منذ فترة طويلة، وبعد الاتفاق على حزمة الإنقاذ المالي في أبريل، أرسلت إسلام آباد سرباً من المقاتلات وطياريها لحماية المملكة من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، لكن إسلام آباد كانت تأمل أن يساعدها رصيدها الدبلوماسي، الذي عززته من خلال التوسط لوقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، إلى جانب قوة الردع التي تمتلكها، في تجنب التدخل العسكري المباشر في اليمن.

وقال إعجاز حيدر، الكاتب المتخصص في السياسة الخارجية والمقيم في لاهور " بعدما اشتعلت جبهة اليمن الان، تجد باكستان نفسها أمام خيارين متعارضين يتعين عليها الموازنة بينهما"، وأوضح أن إسلام آباد تواجه، من جهة، "اعتمادها المالي على الدولة السعودية وتحويلات العاملين"، ومن جهة أخرى، رغبتها في "الحد من الانجرار إلى هذه المواجهة الشرسة في اليمن".

ومارس المشير عاصم منير، الحاكم الفعلي لباكستان، خلال الأشهر الأخيرة، ضغوطاً على القادة الإيرانيين لكبح جماح الحوثيين والميليشيات الشيعية في العراق التي استهدفت السعودية، وجددت باكستان في أغسطس التزاماتها الأمنية تجاه السعودية من خلال "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، التي انضمت إليها تركيا، وذلك بعد توقيع اتفاقية ثنائية بين إسلام آباد والرياض العام الماضي.

وقال عمر كريم، الباحث المتخصص في العلاقات الباكستانية السعودية بجامعة برمنغهام: "فشلت محاولات باكستان لحل الأزمة دبلوماسياً، أو على الأقل تجميد الوضع، من خلال مطالبة إيران بكبح الحوثيين"، وأضاف "باتت باكستان وإيران الآن على طرفي نقيض في اليمن".

وأعلن الموقعون على اتفاقية مكة أن إسلام آباد وأنقرة ستقدمان "القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها" إلى السعودية، بعدما استهدف الحوثيون منشآت نفطية وناقلات سعودية، وحققوا مكاسب ميدانية واسعة على ساحل البحر الأحمر، وسيطروا على مضيق باب المندب، أحد الممرات البحرية الحيوية للتجارة العالمية.

وتعهد الجيش الباكستاني بأنه "سيبذل كل ما في وسعه" للدفاع عن السعودية ومدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وتتمتع باكستان بقدرات عسكرية كبيرة، فوفقاً للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، تضم قواتها المسلحة أكثر من 660 ألف جندي، وتمتلك 400 طائرة مقاتلة وهجومية، بينها مقاتلات (جيه إف-17) الصينية الباكستانية، ومقاتلات (إف-16) الأميركية الصنع. كما تنتج طائرات مسيّرة لأغراض القتال والمراقبة.

واكتسبت القوات الباكستانية خبرة قتالية كبيرة خلال عقدين من عمليات مكافحة التمرد على حدود البلاد الغربية المضطربة، فضلاً عن المواجهات مع خصمها اللدود الهند، بما في ذلك الصراع الذي اندلع العام الماضي، لكن سجل الجيش في الحد من نشاط الجماعات المسلحة لا يزال ضعيفاً، فقد قتل المسلحون أكثر من 1200 عنصر من قوات الأمن الباكستانية العام الماضي، في أعلى حصيلة قتلى منذ أكثر من عشرين عاماً، وفقاً لبوابة جنوب آسيا للإرهاب، وهي منصة مقرها نيودلهي، كما تفاقم العنف على الحدود مع أفغانستان، التي تحكمها حركة طالبان.

مشاركة باكستان العسكرية لا تزال غير واضحة
ولم يتضح بعد حجم مشاركة باكستان في الصراع بين السعودية والحوثيين، وكان التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن قد أعلن الأسبوع الماضي مشاركة 100 طائرة مقاتلة في حملة جوية ضد الحوثيين، لكن إسلام آباد وأنقرة لم تؤكدا ما إذا كان طيارون من البلدين قد شاركوا في تلك العمليات.

وقال الجيش الباكستاني إنه لا يستطيع تأكيد أو نفي أي تفاصيل عملياتية، وقال شخص في إسلام آباد أُطلع على الأمر إن باكستان "قدمت دعماً"، لكنه لم يحدد طبيعة المعدات أو الأفراد المشاركين.

وتنتشر في باكستان معارضة شعبية واسعة لأي تدخل عسكري مباشر في اليمن، ويؤيد قطاع كبير من الباكستانيين، الذين تضم بلادهم أقلية شيعية كبيرة، النظام الإيراني، إذ يرون أنه يتصدى للولايات المتحدة وإسرائيل.

وقال حيدر "لا توجد لدى الشعب الباكستاني رغبة تُذكر في خوض حرب نيابة عن آل سعود، لأن ذلك سيضعه فعلياً في صف الولايات المتحدة ضد إيران".

وسبق أن قاومت إسلام آباد دعوات سعودية للمشاركة في عمليات عسكرية، ففي عام 2015، عندما طلبت الرياض من باكستان إرسال سفن حربية وطائرات وقوات إلى اليمن، امتنعت إسلام آباد عن الاستجابة، وأقر البرلمان بالإجماع قراراً يدعو إلى "الحفاظ على الحياد"، لكن محللين قالوا إن نقاشاً عاماً مماثلاً لن يحدث هذه المرة، إذ تعاني حكومة رئيس الوزراء شهباز شريف من ضعف قاعدتها الشعبية، وتعتمد على دعم المؤسسة العسكرية.

ولم تُكشف حتى الآن التفاصيل الكاملة لاتفاقيتي الدفاع الموقعتين مع السعودية، كما لم تُعرض أي منهما على البرلمان للموافقة.

الاعتماد المالي يقيّد خيارات إسلام آباد
وتتقلص خيارات باكستان بسبب هشاشة وضعها المالي، فإلى جانب القرض الطارئ البالغ ثلاثة مليارات دولار، وافقت الرياض على تمديد وديعة بقيمة خمسة مليارات دولار لدى البنك المركزي الباكستاني لمدة ثلاث سنوات إضافية، وتعادل القيمتان مجتمعتين نحو 38% من احتياطيات باكستان.

كذلك، أرسل العمال الباكستانيون المقيمون في السعودية إلى بلادهم تحويلات مالية بلغت نحو عشرة مليارات دولار العام الماضي.

وقال عمر كريم "تجد باكستان نفسها في مأزق، إذ تدفعها التزاماتها تجاه السعودية بصورة متزايدة إلى الانخراط في الحرب باليمن، وهو ما قد يضر بدورها في الوساطة مع إيران، ويؤدي إلى زيادة الاستياء الشعبي في الداخل".

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.