أخبار سياسية
توكل كرمان: الوفاء لثورة سبتمبر يقتضي استعادة الدولة وتوحيد الصف اليمني
قالت الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان إن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر مثّلت محطة مفصلية في تاريخ اليمن، وأعلنت قيام الجمهورية ورفض اليمنيين لحكم الإمامة، مؤكدة أن الوفاء لمبادئ الثورة اليوم يقتضي صون الجمهورية والمواطنة المتساوية ورفض عودة المشروع الإمامي.
وأضافت كرمان، في خطاب بمناسبة الذكرى الـ64 للثورة، أن سبتمبر جسّد إرادة اليمنيين وقدرتهم على تغيير مسار التاريخ وكسر قيود القهر والذل، مشيدة بتضحيات ثوار الثورة وشهدائها، ومعتبرة أن إحياء ذكراها ليس مجرد استعادة للماضي، بل تعبير عن التمسك بمبادئ الحرية والدولة.
وقالت إن اليمنيين يواجهون اليوم، وفق توصيفها، "نسخة جديدة من المشروع الإمامي" بأسماء وشعارات وأدوات مختلفة، في إشارة إلى جماعة الحوثيين، معتبرة أن استمرار سيطرة الجماعة على أجزاء من البلاد أدى إلى تفكيك مؤسسات الدولة وتفاقم الحرب والنزوح والفقر وتدمير البنية التحتية.
وحذرت كرمان من أن تداعيات الصراع لم تعد محصورة داخل اليمن، مشيرة إلى أن السيطرة على المناطق الساحلية والممرات البحرية جعلت اليمن جزءًا من المخاوف المتعلقة بأمن الملاحة والتجارة الدولية، وقالت إن استعادة الدولة تمثل الطريق لعودة اليمن إلى دوره الطبيعي كدولة مسؤولة عن أراضيها ومياهها ومصالحها.
وفي الشأن الداخلي، دعت كرمان القوى السياسية والعسكرية في معسكر الشرعية إلى تجاوز الخلافات والحسابات المناطقية والحزبية، معتبرة أن الانقسامات وتعدد الكيانات العسكرية أسهما في إطالة أمد الحرب ومكّنا الحوثيين من الاستمرار. وطالبت بتوحيد الجيش والأجهزة الأمنية تحت قيادة الدولة، وإنهاء تعدد التشكيلات العسكرية، بما يضمن احتكار الدولة للسلاح والقرار.
وعلى المستوى الإقليمي، دعت كرمان المملكة العربية السعودية إلى مراجعة تعاملها مع الملف اليمني، والتعامل مع اليمنيين باعتبارهم شركاء، ومساندة السلطة الشرعية في توحيد الجيش والأجهزة الأمنية تحت قيادة واحدة.
وقالت إن قيام دولة يمنية قوية وقادرة يصب في مصلحة اليمن والسعودية والمنطقة، مشيرة إلى الترابط بين أمن البلدين بحكم الجغرافيا، ومشيدة في الوقت نفسه بالدول العربية التي تدعم الدولة اليمنية.
وفي ختام خطابها، دعت كرمان اليمنيين إلى استعادة روح ثورة سبتمبر، وتجاوز الحسابات الضيقة، والاتفاق على الدولة والجمهورية، مؤكدة أن مستقبل اليمن ينبغي أن يقوم على المساواة والمواطنة، وأن يكون الوطن جامعًا لجميع أبنائه.
وختمت بالدعوة إلى جعل ذكرى سبتمبر "عهدًا جديدًا" لاستعادة الدولة وصون الجمهورية وبناء يمن حر وعزيز ومزدهر يتسع لجميع اليمنيين.
وفيما يلي نص الخطاب:
بسم الله الرحمن الرحيم..
بسم اليمن العظيم وبسم الشهداء وبسم الجمهورية والأمة اليمنية..
أحييكم جمعياً شعبنا اليمني العظيم، رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، في داخل الوطن وخارجه؛
في هذا اليوم الأغر، نقف إجلالاً وتعظيماً بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة التي أعلنت قيام الجمهورية وأسقطت نظام الإمامة الكهنوتية الطائفية في يوم عظيم من أيام الأمة اليمنية ووثباتها التاريخية الخالدة.
لقد انبعثت في ذلك اليوم المجيد إرادة الأمة اليمنية من جديد، وأعلن شعبنا في السادس والعشرين من سبتمبر رفضه حياة الذل والعبودية ووهم الاصطفاء السلالي المعادي لشعبنا وأمتنا.
إن ثورة سبتمبر، في جوهرها الحقيقي، تجسيد حي لإرادة شعبنا، وأنه قادر على تغيير مجرى التاريخ وصنع المستحيل، وأثبتت أن شعبنا اليمني، مهما طال ليل القهر، قادر على كسر قيود القهر والذل واستعادة حقه في الحياة الحرة الكريمة.
يُجدر بنا أن نتذكر، في هذه المناسبة العظيمة، شهداء الثورة وثوارها، أولئك اليمنيين الكبار الذين آمنوا باليمن، وقدموا أرواحهم ثمنا لحريته، وتركوا للأجيال من بعدهم أعظم دروس الوطنية والتضحية. رجال رفضوا أن يرث أبناؤهم حياة العبودية، فاختاروا أن يواجهوا الموت كي يعيش اليمنيون من بعدهم احرارا في ظل الجمهورية :
سيذكر التاريخ أن أبطال ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة قدموا تضحياتٍ لا تُنسى، وبطولاتٍ لا تُبلى، ليقيموا دولة الحق والعدل، ويأخذوا بأيدي الناس من الظلمات للنور، ومن الجهالة إلى العلم، ومن حكم الولاية إلى حكم الشعب.
إن إحياءنا لهذه الذكرى العظيمة ليس ترفا كما يروج البعض، وليس شيئا زائدا عن الحاجة، وليس انفصالا عن الواقع، بل على العكس من ذلك، نحن بتمسكنا بثورة السادس والعشرين من سبتمبر، نقاوم العبودية ونقاوم التخلف والجهل، والنظام البغيض الذي دمّر اليمن لقرون طويلة.
أيها المواطنون الأحرار
لقد عرف العالم على مر العصور أنظمةً سياسيةً قبيحةً، وحكوماتٍ ظالمةً، لكن اليمن عرفت ما هو أقبح من ذلك كله، فنظام الإمامة البغيض جمع بين الرذائل والمهازل. من هنا تكتسب ثورة ٢٦ سبتمبر مكانة خاصة، حيث أطاحت بواحد من أعتى وأعفن الأنظمة التي عرفتها البشرية.
اليمن ليس الإمامة
اليمن هو الأصل، والإمامة لم تكن سوى استثناء طارئ على تاريخه.
فاليمن الحضاري العظيم، هو الذي ذلك الممتد في عمق التاريخ، والأمة اليمنية هي تلك التي أقامت الحضارات وأقامت المدرجات في الجبال وبنت السدود وطوعت الصخور وزرعت السهول والوديان، وقاومت عصور الانكسار، أما الإمامة فعارضٌ مرضي تبتلى به اليمن بين حين وآخر، يحاول أن يستعبد شعبنا ويسد آفاقه، ويختطف مستقبله باسم أوهام الاصطفاء الإلهي.
وإذا كانت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر قد حررت اليمن من الإمامة في صورتها القديمة، فإن اليمنيين اليوم يواجهون تحديا تاريخيا جديدا: أن يدافعوا عن جمهوريتهم في مواجهة نسخة جديدة من المشروع الإمامي، جاءت بأسماء وشعارات وأدوات مختلفة، لكنها تحمل الجوهر ذاته، وتريد إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء.
وليس علينا أن نبحث عن أدلة بعيدة في كتب التاريخ؛ فالوضع الذي نراه اليوم يقدم لنا شواهد مؤلمة لما جرى بعد انقلاب الميلشيات الحوثية على الدولة.
عادوا، فعادت الحروب والأوبئة والفقر والمرض واستبيحت اليمن بطولها وعرضها في سنوات طويلة من القتل والتهجير والتجويع، ومن التدخلات الخارجية التي جعلت اليمن ساحة لصراعات الآخرين، ومن تدمير المدن والبنية التحتية،
لقد دفع اليمنيون ثمنا مهولا بسبب الميلشيات الطائفية العنصرية.
دفعوا الثمن من أعمار أبنائهم الذين التهمتهم الجبهات، ومن أسر فقدت معيلها، ومن أطفال كبروا في ظل الحرب، ومن أجيال صودر حقها في التعليم والحياة الطبيعية.
دفعوا الثمن من مدن دمرت، وقرى نزحت، وبيوت أغلقت أبوابها، وأسر تفرقت بين المنافي والمخيمات، ومن وطن أصبح أبناؤه موزعين بين غربة قسرية خارج الحدود، وغربة داخل وطنهم.
أيها الشعب اليمني العظيم..
الدولة التي بناها اليمنيون عبر عقود، بكل ما فيها من نواقص واختلالات، تعرضت للتفكيك والتدمير، مؤسساتها، إدارتها، مواردها، وظائفها العامة، وقدرتها على تقديم الخدمات؛ كلها أصبحت ضحية لحروب جماعة طائفية عنصرية لا ترى في الدولة إلا أداة للسيطرة، ولا في المجتمع إلا مجالا للإخضاع.
لقد أسقطت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر نظام الإمامة وفكرته العنصرية، واليوم، فإن الوفاء لسبتمبر يقتضي أن نرفض عودة هذه الفكرة، مهما تغيرت الرايات، وتبدلت الشعارات، وتعددت الواجهات.
لا يمكن لشعب في القرن الحادي والعشرين أن يسلّم مصيره إلى فكرة عنصرية أو فاشية تحت أي دعوى، إلا إذا كان شعبا من الجثث أو من فاقدي التمييز والإرادة.
دروس التاريخ كثيرة، لكن الطغاة لا يتعلمون. يتصورون أن القوة سوف تمكنهم من مصائر العباد، غير مدركين أن الناس خُلقت حرة، ولسوف تدافع عن كرامتها مهما كانت التضحيات.
إخواني وأخواتي في كل شبر على تراب الوطن وفي بلاد المهجر..
بعد اثنا عشر عاما على اقتحام ميلشيات الحوثي العاصمة صنعاء، وتمددها إلى المحافظات، وإسقاط مؤسسات الدولة، وفتح أبواب اليمن أمام التدخلات الخارجية، وإغراق البلاد في حروب متوالية، فإننا نقف اليوم أمام حقيقة بالغة الخطورة بعد نكسة سقوط المخا وباب المندب في قبضتهم:
أن هذا المشروع لم يعد يهدد اليمنيين وحدها، ولا استقرار اليمن ودول الجوار فحسب، ولكنه تحول إلى مصدر تهديد للأمن الإقليمي والدولي. وإنه من المؤسف أن يتحول الممر الدولي الحيوي إلى ورقة تستخدمها إيران، وأن تكون اليمن في قلب المخاوف الدولية المتعلقة بأمن الملاحة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية بسبب مشروع طائفي مسلح يغلب على سلوكه الهمجية وعدم اللامبالاة بمصالح اليمن العليا.
إن مصلحة اليمن هي أن يستعيد دولته، وأن يفتح موانئه للتجارة، وسواحله للتنمية، وممراته البحرية للتواصل، وأن يعيش أبناؤه في وطن يقرر مصيره بنفسه، ولا مصلحة لبلادنا بأن يكون مصيرها معلقا بإرادة جماعة مسلحة مرتبطة بمصالح إيران وحسابات أمنها وحروبها التوسعية.
إن استمرار هذا المسار يضيف المزيد من المخاطر والتهديدات على اليمن، ويقدم فرصة جديدة لتوسيع دائرة التدخلات الخارجية، وإضعاف القرار الوطني.
ومن هنا، فإن استعادة الدولة هي الطريق الذي يمكن لليمن من خلاله أن يستعيد دوره الطبيعي: دولة مسؤولة عن أمن أراضيها ومياهها، تحترم القانون الدولي، وتحمي مصالح شعبها، وتعيش بسلام مع جيرانها والعالم.
لقد آن لليمن أن يعود وطنا لأبنائه، لا ساحة لصراعات الآخرين.
أيها الشعب اليمني العظيم،
أيها الإخوة في كل ربوع اليمن، وفي كل مكوناته السياسية والاجتماعية ومختلف انتماءاتهم المناطقية والقبلية والمذهبية،
ان الخطر الذي يهدد اليمن لا يستثني أحدا، ولا يعترف بحدود منطقة، أو انتماء جهوي أو قبيلة أو حزب.
إن الخطر الإمامي لا يهدد فئة دون أخرى، ولا يستهدف منطقة دون غيرها.
إنه مشروع يقوم على إخضاع الجميع، ولا يمنح الأمان لأحد خارج دائرة الولاء له.
ومن يظن أن بإمكانه أن يعيش في مأمن من هذا الخطر، أو أن يعقد معه تسوية تضمن له دورا مستقلا، فإنه لا يقرأ طبيعة المشروع الذي يواجهه، ولا يستوعب دروس التاريخ.
الإمامة لا تقبل شركاء متساوين، ولا تعترف بحقوق وشراكات، ولا ترى في التنوع الوطني مصدر قوة، بل عائقا أمام احتكارها للسلطة والمجتمع.
ولهذا، فإن مصير اليمنيين جميعا مرتبط بعضه ببعض، وأمنهم ومستقبلهم لا يمكن أن يبنى على انتصار طرف على طرف، ولا على إضعاف منطقة لحساب أخرى، ولا على تقسيم الوطن إلى ساحات نفوذ متصارعة.
لقد آن الأوان لأن تدرك القوى السياسية والعسكرية المتعددة داخل معسكر الشرعية أن الانقسامات التي مزقت الصفوف، والصراعات التي استنزفت الطاقات، والحسابات المناطقية والجهوية التي فرقت بين أبناء الوطن الواحد، كانت أحد الأسباب الرئيسية التي مكنت الميلشيات الحوثية من البقاء، وأطالت أمد الحرب، ووسعت دائرة المعاناة والمآسي.
إن اوضاع بلادنا وشعبنا لا تحتمل استمرار هذا النزيف. ولا يملك أبناؤه، مهما اختلفت مواقعهم ومصالحهم وتوجهاتهم، أن يتعاملوا مع التحدي الراهن بعقلية المناكفات الصغيرة، أو أن يضعوا الحسابات الفئوية فوق المصير الوطني.
لقد حان الوقت لكي يكبر الجميع إلى مستوى التحدي الذي يواجه اليمن.
هذا ما يخصنا نحن في اليمن، أما على الصعيد العربي والإقليمي، فأود أن أشكر الدول العربية التي تقف مع الدولة اليمنية وحقها في إسقاط الانقلاب الحوثي. ولعل من المناسب أن أتمنى على الأخوة العرب المتعاطفين مع مليشيا الحوثي أن يطلعوا ولو قليلا على تاريخ هذه المليشيا، وسوف يكتشفون من تلقاء أنفسهم أن مليشيا عنصرية فاشية لا تستحق تعاطفهم مهما رفعت شعارات براقة.
في هذا السياق، أود أن أدعو المملكة العربية السعودية إلى مراجعة أخطائها في التعامل مع الملف اليمني، والتعامل مع اليمنيين بوصفهم شركاء، لا عملاء أو تابعين. فالشراكة الجادة تقتضي التعلّم من أخطاء الماضي، ومساعدة السلطة الشرعية على توحيد الجيش والأجهزة الأمنية تحت قيادة رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة. إنه لا معنى لاستمرار المسميات والكيانات العسكرية المتعددة. اليمن بحاجة إلى جيش وطني واحد، وقيادة واحدة، ودولة تحتكر السلاح والقرار. لنتذكر أن الحوثي أبرز عناصر قوة الحوثي هو أنه يواجه مجموعة من الكيانات المتفرقة، هذا ليس في مصلحة أحد.
أقول ذلك لما فيه مصلحة اليمن، ولا شك أن تشكل دولة يمنية قوية وقادرة سوف يصب في مصلحة السعودية في المقام الأول، ومصلحة الإقليم ثانيا، والعالم ثالثا. فقد أثبتت السنوات الماضية أن أمن السعودية الدولة الجارة التي تتحمل أكبر العبء في دعم الحكومة الشرعية من أمن اليمن، وأمن اليمن من أمنها. الذين سيبدون دهشتهم من هذه الحقيقة، ينبغي أن يدركوا ما هو معلوم من السياسة بالضرورة، وهو أن الجغرافيا عامل أساسي لا يمكن تجاوزه على كل حال في العلاقات بين الدول.
أيها الشعب اليمني العظيم،
في السادس والعشرين من سبتمبر، توحدت إرادة الرجال حول هدف عظيم، تحرير اليمن من الإمامة وقيام الجمهورية.
واليوم، نحن أحوج ما نكون إلى استعادة تلك الروح؛ روح الأمة التي تتجاوز انقساماتها حين يتعلق الأمر بمصيرها، وتضع الوطن فوق الحسابات الضيقة.
لنختلف كما نشاء في السياسة، لكن لنتفق على اليمن.
لنختلف في الرؤى والبرامج، لكن لنتفق على الدولة.
لنختلف في وسائل إدارة البلاد، لكن لنتفق على أن لا سلالة فوق المواطنة، ولا منطقة فوق الوطن، ولا جماعة فوق الدولة.
إن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر كانت إعلانا تاريخيا بأن اليمنيين قادرون على صناعة مستقبلهم بأنفسهم.
فلنحم هذا المعنى، ولنجعل من ذكرى سبتمبر عهدا جديدا:
عهد استعادة الدولة.
عهد صون الجمهورية.
عهد المساواة والمواطنة.
عهد بناء يمن حر، عزيز، مزدهر، يتسع لجميع أبنائه.
عاشت الجمهورية اليمنية.
عاش اليمن حرا موحدا عزيزا.
المجد والخلود لشهداء ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، ولكل شهداء الحرية والكرامة ًفي اليمن.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.