مقالات

مشروع إسقاط الدولة اليمنية: من التوريث إلى تسليم صنعاء

10/07/2025, 06:14:09

من ينظر إلى المشهد اليمني اليوم قد يظن أن الحوثيين حققوا نصرًا مرحليًا على خصومهم. لكن الحقيقة أن ما يبدو "نصرًا" ليس إلا حلقة أخيرة في مسلسل طويل من الانهيار الممنهج، تقاطعت فيه الأدوار الداخلية والخارجية، وسارت فيه اليمن من دولة ذات مشروع إلى ساحة مفتوحة للمليشيات والمصالح.

فالحوثي لم يتقدّم لأنه قوة خارقة أو مشروع وطني صاعد، بل لأنه استثمر فراغًا واسعًا أحدثه تفكك الدولة من الداخل، وتواطؤ القوى الإقليمية والدولية في تفكيك ما تبقى من بنيانها.

لقد بدأ الانهيار من الداخل حين تحوّلت الدولة إلى غنيمة تُنهب لا مشروع يُبنى. 

على مدى خمسة وثلاثين عامًا، رسّخ النظام السابق ثقافة الفساد، وفرّغ مؤسسات الدولة من وظيفتها الوطنية، وأقام شبكة ولاءات شخصية وقبلية وحزبية، جعلت الدولة بلا روح، ولا قدرة على الصمود.

ثم جاء مشروع توريث الحكم ليشعل أولى نيران الانقسام داخل معسكر السلطة ذاته. 

فبينما كانت البلاد بحاجة إلى إصلاحات بنيوية ومصالحة وطنية، زُجّ بها في صراعات خفية على الخلافة، أضعفت النظام، وفتحت الطريق لتفكك الإجماع من حوله.

وكان هذا التصدع الداخلي مقدمة طبيعية لانهيار الدولة بمجرد سقوط رأس النظام.

بعد 2011، لم تكن المبادرة الخليجية مجرد آلية لانتقال السلطة، بل كانت ضربة قاصمة لفكرة الدولة ذاتها. إذ نُقل الحكم إلى رئيس انتقالي منزوع الإرادة، محاصر بالمبادرة وآلياتها، محاط بقوى متناحرة على الغنائم، ومرتهن لتوازنات إقليمية لا تؤمن أصلًا بفكرة الدولة اليمنية.

السعودية، التي رفعت شعار دعم الشرعية، كانت في الحقيقة ترعى تفكيكها. فمنذ ثورة 26 سبتمبر 1962، عملت الرياض على إبقاء اليمن ضعيفًا وتابعًا.

 ساهمت في انقلاب 1967، ورعت صلح جدة 1970 الذي أعاد الملكيين إلى مفاصل الدولة، وأغمضت عينيها عن اغتيال الرئيس الحمدي، الذي كاد أن يؤسس أول مشروع جاد لبناء دولة وطنية مستقلة.

ثم كانت المبادرة الخليجية ذروة هذا المسار، حيث تمكنت السعودية عبرها من إزاحة نظام، وتفكيك ما تبقى من مؤسسات، دون السماح بقيام بديل وطني متماسك.

أما أمريكا وبريطانيا فكانتا على الدوام حاضرتين في خلفية المشهد، راعيتين للانهيار، وموجّهتين لمساراته.

وحين اقترب الحوثي من صنعاء، لم تحرك العواصم الغربية ساكنًا، بل كان واضحًا أن الضوء الأخضر قد أُعطي، وأن المهمة التالية هي "ضبط" الحوثي لا منعه.

ثم تُرك الحوثي يتمدد، تنهار أمامه ألوية الجيش الجمهوري بلا مقاومة، ويكتسح المناطق واحدة تلو الأخرى. لم يكن ذلك مجرد فراغ أمني، بل تفكيك متعمد لقدرات الدولة الوطنية، بدءًا من الأمن القومي، وانتهاءً بالبنك المركزي.

ثم جاءت عاصفة الحزم، لا لتعيد الدولة، بل لتدير الفوضى. باسم "نصرة الشرعية"، جرى تقليم أظافرها، وتمويل قوى موازية، وتقسيم اليمن إلى كانتونات خاضعة لنفوذ إقليمي، كلٌ له مليشياته ومصالحه.

وفي خضم هذا المشهد، جاءت ضربة أرامكو من قِبل الحوثيين لتكشف عمق التحوّل: فبدل أن تكون لحظة مواجهة، تحوّلت إلى لحظة تفاوض.

 رفعت السعودية الغطاء عن "الشرعية"، وبدأت تتقارب مع الحوثيين ضمن تفاهمات خلف الستار.

اليوم، يفرض الحوثي شروطه في الميدان والسياسة، لكنه لم ينتصر لأنه لا يُقهر، بل لأنه آخر لاعب في مشهدٍ صُمّم ليسلَّم له كل شيء، بعد أن تم إفراغ الساحة من كل بديل حقيقي.

لقد خسرنا الجولة؛ لأن الدولة سقطت من الداخل قبل أن تُسقطها المليشيا، خسرناها حين استُبدل المشروع الوطني بالتوريث ثم بالتقاسم، وحين رُفعت راية الحرب بلا بناء، والشراكة بلا شرف.

لكننا لم نخسر بعد ما دامت فينا نفسٌ لا تؤمن بهذا المسخ، ولا تستسلم، فثمة أمل؛ لا بإعادة إنتاج الشرعيات القديمة، بل ببناء مشروع وطني جديد…، يبدأ من الاعتراف بالحقيقة، لا من دفنها.

مقالات

السعودية بين هاجس النفوذ وهاجس الأمن في اليمن

تبدو السعودية اليوم أمام واحدة من أكثر المعضلات الاستراتيجية تعقيدًا في تاريخ علاقتها باليمن؛ معضلة لم تنشأ بفعل صعود الحوثيين وحده، بل بفعل التناقض المتزايد بين هدفين سعت الرياض إلى تحقيقهما على مدى عقود: الحفاظ على نفوذها الجيوسياسي في اليمن، وضمان أمنها الوطني في مواجهة أي تهديد قادم من الجنوب.

مقالات

الاعتراف العربي بحدود (إسرائيل) المتغيرة باستمرار

يُمثّل الإصرار الأمريكي المستميت على دفع جميع الدول العربية والدول ذات الأغلبية المسلمة نحو تطبيع علاقاتها مع دولة إسرائيل أحد أكثر جوانب العلاقات الأمريكية المعاصرة مع العالمين العربي والإسلامي ترويعاً لهذه الدول؛

مقالات

عندما يتغير الهدف.. لماذا أصبح مضيق هرمز مركز ثقل الصراع؟

عندما وُقعت مذكرة التفاهم، تركزت النقاشات الدائرة حول الصراع، على برنامج إيران النووي؛ وتمحورت الجهود الدبلوماسية حول مستويات التخصيب، وعمليات التفتيش، وتخفيف العقوبات، ومدى قبول طهران بفرض قيود جديدة على برنامجها.

مقالات

لماذا لا تُحسم الحرب في اليمن؟

منذ سنوات تتكرر الأسئلة ذاتها: لماذا لا تُحسم الحرب في اليمن؟ ولماذا تبدو الجبهات وكأنها تدور في حلقة مفرغة، فلا سلام يتحقق ولا معركة فاصلة تقع؟ تذهب أغلب التفسيرات إلى أن السبب يكمن في ارتهان القرار السيادي للخارج، أو في اختلال موازين القوة العسكرية، أو في الحسابات الإقليمية والدولية. ولا شك أن هذه العوامل مؤثرة، لكنها لا تفسر المشهد كله.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.