مقالات

كم عمرًا سنحتاج لنعرف؟

19/08/2025, 15:55:26

نحن نغرق أكثر في ما يُفترض أن نقتصد منه، ونعزف أكثر عمّا يُفترض أن ننشغل به.

الهندسة التي خضعنا لها طوال فترة الحرب من التمزيق والتعديل والتفكيك وإعادة التركيب المستمرة، جعلتنا في حالة اشتباك ومعارك دائمة، حيث الكل ضد الجميع، بينما بلدنا يتحلل ويتلاشى.

لا تقودنا القضايا، بل الأحقاد والضغائن؛ حالة من اجترار الماضي دون تدبر أو تقييم أو توقف.

الماضي الذي شاهدناه ماثلًا في صراعات عمياء مكتظة بالحماقات الأيديولوجية، لا يزال يحكم يومياتنا بروح منفلِتة، تغذّيها طاحونة هائلة من الاستقطابات لقوى خارجية.

هذه القوى تدس يدها في كل مكان في البلاد، وترسم كل يوم وجهة في خريطة لا تتوقف عن التمزق، وتفخيخها بالألغام بمسميات وذرائع لا تنتهي، ونحن في حالة فرجة.

لكأن اليمني لا يريد التوقف عن التيه، مضت عشرًا، وأظنه لا يقتنع دون الأربعين!

لم يعد سؤال الوجود اليمني يخامر أحدًا، وإذا حدث، فهو يشبه الزائدة الدودية: إذا التهبت، علاجها القطع!

لا يعرف أحد بالضبط في قلب أي عاصفة سنستقر، كسفينة قُذف بها إلى بحر وقت اشتداد الأمواج، صُنعت منذ البداية بلا قمرة قيادة، ركابها مصابون بنوبة صرع!

الجميع منغمسون في ما يحذرون منه، القضايا الصغيرة تقود المشهد، فوضى ضاربة، المزيد من التشظي والانقسامات، وحدها الأجندة الخارجية تعمل بكامل طاقتها وكفاءتها، وبإذعان تام من الجميع!

ما الذي يريده أي طامع أو متطلع خارجي أكثر من هذا، وقد استوت البلاد ملعبًا للركض بلا حدود؟

المتدخلون الطارئون الشغوفون "بالعظمة الإمبراطورية"، عجَمًا وعربًا، الذين تطيش أيديهم في كل مكان لإشعال الحرائق والاستيلاء على ثروات الشعوب الضعيفة، تُرى كيف سيتصرفون وقد صارت بلادٌ بأكملها في قبضتهم، ونحن في حالة ابتهال، ضارعين في حضرتهم؟

لم يعد الحوثي ذراعًا إيرانيًا يجب قطعه، كما كان يُدندن شعار الحرب "الشقيقة"، بل وسيلة لابتزاز اليمنيين، للسيطرة على بلادهم وإعادة تشكيلها.

لم تتغير اللعبة، ولم تتغير المفارقة. الحوثي، الذي استخدمه "رعاة الانتقال السلمي للسلطة" أداة للانقلاب على المرحلة والحوار، هو نفسه الذي جرى استخدامه لاحقًا ذريعة لإعلان تحالف عسكري ضده!

استخدموه مع يمنيين آخرين لإسقاط البلاد في الحرب، واستخدموه طوال فترة الحرب لتمزيقها.

في أكثر صورها سوداوية وقتامة، صارت الحرب إلى حروب، وجهتها الوحيدة أنها بلا وجهة، وصارت الحرب ضد الحوثي هي الحرب الوحيدة الممنوعة!

لذلك ستشاهد أكثر الفصول التي لم تخطر على بال مؤلفي مسرحيات العبث لتزجية وقت اليمنيين على مقاعد انتظار شتاتهم الأخير: جيوش بأعلام ورموز متضادة، أو جيوش وتشكيلات مجهولة الهوية، هي الأكثر تسليحًا وعناية، تفقس كل يوم!

ستشاهد مسؤولين مدنيين يزورون الجبهات ومناطق التماس، وقادة عسكريين يزورون مؤسسات مدنية لا تربطهم بها صلة!

ستصفعك الدهشة وأنت ترى "الميري" و"الدشداشة" جنبًا إلى جنب في عروض عسكرية رسمية، لم تحدث حتى في بلاد الدشداشة نفسها!

سيتم تدوير الأسطوانة والخديعة نفسها ألف مرة، وسينجرف معظمنا خلف ذلك في كل مرة.

ربما سيضعك كل ذلك أمام خلاصة قاسية: يبدو أن اليمني لم يُخلق إلا ليعترض على نفسه، أو أنه قُدّ من هذا التمزق والتشظي، مخلصًا للعنته القديمة.

كم عمرًا سنحتاج لكي نعرف؟

مقالات

رغم مسار التهدئة هذه الدول لن تعرف الراحة قريبا

لا تبدو المنطقة على أبواب استقرار حقيقي بعد إنجاز مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، فرغم اللقاءات التي أعقبتها في كل من سويسرا وقطر، فلا يزال التوتر قائما والأعصاب مشدودة وكل طرف يحاول عرقلة تنفيذ المكاسب التي حققها الطرف الآخر في المذكرة- الاتفاق، وقد تمضي الستون يوما المنصوص عليها في المذكرة دون تحقيق تقدم يذكر في ملفي النووي والأموال المجمدة؛ إذ ما زال الجميع مشغولين بملف مضيق هرمز الذي حركته الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي أدركت أنه نقطة قوتها الأساسية التي ستلوي بها يد العالم كله.

مقالات

إسرائيل لم تعد فوق السؤال في واشنطن

لطالما احتلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مكانة استثنائية في السياسة الخارجية الأمريكية. فعلى مدى عقود كانت الخلافات السياسية بين الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية تأتي وتذهب، بينما ظل دعم إسرائيل واحدا، من القلائل، من ثوابت السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط التي حظيت بإجماع الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

مقالات

من يملك بندقية الدولة؟

ثمة قواعد في السياسة تحتمل الاستثناء، وقاعدة في بناء الجيوش تكاد لا تحتمله: القوة العسكرية التي ينشئها الخارج من خارج خزينة الدولة وسلسلة قيادتها لا يبقى قرارها وطنيًا عند أول تعارض جدي بين مصلحة الممول ومصلحة البلد الذي تحمل علمه.

مقالات

أي جيش يُبنى في اليمن ؟!

لقد أثار المقطع المتداول والمنشور عبر المنصة الرسمية لقوات "درع الوطن"، والذي يهاجم فيه أحد مشائخ التوجيه المعنوي الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان أمام أفراد القوة العسكرية ، سؤالًا يتجاوز الشخص إلى الدولة نفسها: أي عقيدة عسكرية تُبنى اليوم؟ في لحظة يفترض أن تنصرف فيها جهود الجيش إلى استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي، يجري توجيه البوصلة نحو خصومات سياسية وفكرية لا علاقة لها بوظيفة المؤسسة العسكرية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.