مقالات

قراءة فكرية في البعد المخفي لإخفاء قحطان

10/05/2026, 17:43:35

في حوار سابق مع منصة "متن" أكدتُ أن المليشيات الحوثية تخشى كل صوت يتحدث عن الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة التي تتصالح مع الثقافة الإسلامية للشعب اليمني.

 وذهبتُ إلى أن هذه الجماعة قد تفضّل في لحظات ضعفها خيارًا علمانيًا إقصائيًا يستبعد المرجعية الإسلامية لأن مثل هذا الخيار يمنحها العدو المثالي الذي يبرر وجودها ويتيح لها إعادة إنتاج كهنوتيتها والتربص بالنظام الجمهوري للانقضاض عليه عند أول لحظة ضعف وإعادة إنتاج دورات العنف.

في هذا السياق لا يبدو محمد قحطان مجرد قيادي سياسي يتمتع بالكاريزما، فرغم ارتباط اسمه بمسيرة الكفاح الوطني وهندسة تجربة اللقاء المشترك مع رفيقه الشهيد جار الله عمر والتي جمعت التيار الإصلاحي المحافظ في الحركة الوطنية اليمنية مع التيارات القومية واليسارية وتيارات قريبة من المذهب الزيدي في مشروع وطني جامع؛ إلا أن الأهمية الجوهرية لقحطان تكمن في كونه يمثل النقيض الفكري العميق للمشروع الحوثي.

قحطان مدرسة سياسية ذات مرجعية إسلامية تؤمن بالديمقراطية، مدرسة متدينة ومدنية في آنٍ واحد. حزبية لكنها منفتحة على التعددية والشراكة الوطنية. هي مدرسة تقول ضمنيًا: يمكنك أن تكون مسلمًا مخلصًا في ولائك لله ورسوله، وفي الوقت نفسه وطنيًاً جمهوريًا ديمقراطيًا ترفض الكهنوت وتحتقر خرافة احتكار الدين في سلالة أو طائفة.

إن الحوثية كحركة ثيوقراطية تعيش على ثنائية حادة: إما إسلامها المؤدلج القائم على الولاية والاصطفاء، أو علمانية إقصائية تصطدم بهوية المجتمع وتوفر للجماعة الذريعة للخروج المسلح بحجة حماية الدين.

وحين يظهر قحطان ومدرسته كجسر يربط بين العبادة وصندوق الاقتراع، وبين التدين والدولة المدنية، فإن هذه الثنائية تنهار، وتُجرد الجماعة من أخطر أسلحتها الرمزية.

ومن هنا يصبح وجود شخصية مثل محمد قحطان مشكلة بنيوية للمليشيا لأنه يمثل برهانًا حيًا على إمكانية الجمع بين الهوية الإسلامية والدولة الحديثة، بين التدين والديمقراطية بين المرجعية الإسلامية والتعددية السياسية دون الحاجة إلى السلالة أو الحق الإلهي أو العنف المسلح. وكل هذا يجعل من قحطان تهديدًا وجوديًا وملفًا مهمًا يجب أن يشرف عليه سيد جماعة الحوثيين بنفسه ولا يطلع عليه غير الدائرة المقربة منه.

لقد أدرك الحوثيون مبكراً أن أخطر خصومهم ليس المقاتل العصبوي الذي يمكن تشويهه كخصم حربي أو مذهبي ولا سيما عندما يرفع شعارات تعادي الوحدة الوطنية أو الدولة الديمقراطية الحديثة، فالأخطر هو السياسي المدني الذي يهدم عقيدتهم من داخل المجال الرمزي الذي يدعون احتكاره. 

لذلك فإن إخفاء قحطان يتجاوز البعد الأمني و يعد محاولة لإعدام الحلم الوطني الجمعي للشعب اليمني: حلم بناء دولة وطنية ديمقراطية مدنية حديثة تتصالح مع ثقافة المجتمع الإسلامية وترفض في الوقت نفسه الكهنوت الديني والاستبداد العسكري والفوضى العنيفة. محاولة لاغتيال النموذج، اغتيال الإسلام الجمهوري الديمقراطي المدني قبل أن يتحول إلى ثقافة سياسية سائدة.

هذا المشروع هو التهديد الحقيقي للمليشيات لأنه يمنح الناس القدرة على تخيّل دولة تتفق مع ضميرهم الديني و لا تقوم على العصبية السلالية أو الإقصاء الأيديولوجي ولكنها تستند على المواطنة والشراكة. ولذلك لم يكن غريبًا أن يتحول قحطان إلى ملف غامض ومعلّق لسنوات طويلة, لأن الجماعات العقائدية المسلحة لا تخشى فقط حضور خصومها قدر خشيتها للمعنى الذي يمثلونه.

وفي كثير من الأحيان يصبح تغييب الرمز محاولة لتغييب الفكرة نفسها أو على الأقل منعها من التحول إلى مركز جذب وطني جامع.

لكن المفارقة أن هذا النوع من الإخفاء قد يؤدي إلى النتيجة العكسية إذ يتحول الشخص المغيّب إلى رمز أكبر من حضوره المباشر. فكلما طال الغموض اتسعت الدلالة الرمزية للقضية ولم يعد قحطان مجرد قيادي حزبي مختطف بقدر كونه تعبيرًا عن اختطاف السياسة نفسها واختطاف إمكانية الدولة المدنية واختطاف فكرة الشراكة الوطنية التي حاول اليمنيون بناءها قبل أن تنقلب عليها مشاريع القوة والغلبة.

والأهم من ذلك أن قضية قحطان تكشف طبيعة الصراع الحقيقي في اليمن, فهو ليس مجرد صراع على السلطة بقدر ما صراع بين إرادة سيادة الشعب وإرادة التسيد على الشعب. وبين فكرتين للدولة والإنسان والدين: فكرة ترى الإنسان مواطنًا حرًا متساويًا في الحقوق والواجبات وتعتبر السياسة عقدًا اجتماعيًا يقوم على الإرادة الشعبية والتعددية والتداول السلمي. وفكرة أخرى ترى المجتمع هرمًا مغلقًا للامتيازات تُمنح فيه الشرعية بالاصطفاء وتُختزل فيه الدولة في الجماعة والجماعة في السلالة والسياسة في ولاية الطاعة لأعلام الهدى ومصابيح الدجى. ولهذا فإن إخفاء قحطان بهذا المعنى ليس مجرد جريمة بحق فرد فهو محاولة رمزية لإخفاء إمكانية التقاء الإسلام والديمقراطية والجمهورية والديمقراطية في مشروع وطني واحد.

ولكن ثمة مفارقة مؤلمة؛ فقحطان لا يُخيف مشروع الكهنوت فحسب، بل يُربك أيضًا كل المشاريع (المحلية والإقليمية) التي لا تريد عودة اليمن الجمهوري الديمقراطي المستقر، ولا تريد عودة السياسة الحرة إلى المجال العام. إن التغاضي عن تغييبه يمثل تواطؤًا ضمنيًا لإزاحة مشروع الوحدة الوطنية والحداثة السياسية الديمقراطية واستبداله بترتيبات أمنية هشة يُديرها أمراء الحرب.

وفي هذا السياق يمكن فهم غياب الاهتمام الإقليمي بملف محمد قحطان ولا سيما في ظل الحضور السابق لدولة الإمارات في التحالف العربي ومشروعها الذي روجت له علنًا في اقصاء حزب قحطان مما يرجح أن حضور قحطان لم يكن محل ترحيب الإمارات ولا مليشياتها الانفصالية. وهذا شأن جميع المشاريع الصغيرة التي لا تريد عودة اليمن الجمهوري الديمقراطي الواحد المستقر ولا عودة مشروع التوافق الوطني بين الأحزاب السياسية ولا عودة السياسة الحرة إلى المجال العام ولا بناء الدولة على الإرادة الشعبية بعيدًا عن التوازنات المغلقة وإدارة النفوذ.

 ولا بد من التأكيد قبل الختام على أن هذه المدرسة الوطنية التي يعد قحطان من ابرز رموزها لم تكن حكرًا على قحطان أو حزبه، فقد أسهم في بنائها رموز من مختلف التيارات، من الشهيد جار الله عمر ود. ياسين سعيد نعمان، ومحمد المخلافي في الاشتراكي إلى عبدالملك المخلافي في التنظيم الناصري إلى د. أحمد عبيد بن دغر في المؤتمر الشعبي العام وغيرهم. وهي امتداد متجدد لمدرسة الحركة الوطنية التي تشكلت في ثلاثينيات القرن الماضي.

غير أن خصوصية قحطان تنبع من كونه جسّد هذه الرؤية من داخل تيار إسلامي فاعل، محطمًا الوهم بأن التدين لا يلتقي إلا مع الوصاية. إن استهداف قحطان هو استهداف لأكثر النماذج قدرة على تفكيك الأوهام الكهنوتية.

 ورغم مرارة الإخفاء القسري الذي يعاني منه قحطان كإنسان ومواطن، ورغم مخاطر المراهنة على الرمزية وحدها في ظل واقع يفرضه السلاح، إلا أن قحطان حيًا أو مغيبًا سيبقى الشاهد الأكبر على أن معركة اليمنيين هي معركة تحرير العقل اليمني من أوهام الاصطفاء واستعادة كرامة الإنسان في دولة تجمع الجميع تحت سقف القانون والمواطنة المتساوية.

مقالات

الانشقاق ليس صك غفران سياسي

في الحروب الطويلة لا تتغير الجبهات وحدها، بل تتغير معها المواقف والتحالفات والولاءات. وقد يجد أشخاص كانوا جزءًا من مشروع ما أنفسهم، بعد سنوات، في صفوف خصومه. وهذه ليست ظاهرة يمنية خالصة، بل عرفتها تجارب كثيرة عبر التاريخ.

مقالات

كيف أعادت مدرسة الاجتهاد تعريف التسنن والتشيع في ضوء المقاصد والفضاء الإسلامي المشترك

لم تكن كلمات المجتهد صالح المقبلي مجرد زفرة ضيق آنية أملتها ظروف تاريخية عارضة، بقدر ما كانت تكثيفًا لجوهر أصيل في البنية الفكرية لمدرسة الاجتهاد اليمنية، وتجليًا لأزمة معرفية أعمق: أزمة العقل المذهبي حين يعجز عن استيعاب المجتهد الذي يرفض التحرك داخل حقوله المسيجة بالتقليد.

مقالات

تشييع خامنئي وتثبيت الحلفاء.. مذكرة التفاهم تهرول نحو إيران

عندما أعلنت القيادة الإيرانية عن موعد الرابع من يوليو/تموز القادم لبدء مراسم تشييع المرشد السابق آية الله علي خامنئي، فإنها قطعا كانت تدرك أن الأوضاع الداخلية في هذا التاريخ ستكون ملائمة أمنياً لهذا الحدث الهام، بل ومحصنة لظهور المرشد الجديد مجتبى نجل المرشد الراحل وخليفته الذي لا بد أن يكون على رأس مشيعي والده وإماما لصلاة الجنازة عليه.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.