مقالات

تبرّعوا.. وراقبوا!

27/03/2025, 10:56:32

وسط دوامة الموت المجاني التي تطوِّق اليمنيين، يتقدّم السرطان كوحش لا يتوقّف عن التهام حياة عشرات الآلاف سنوياً، لا يفرِّق بين رجل وامرأة، شيخ مسن أو طفل. 

لذلك، إذا كنت تواجه التحدِّيات المعيشية القاسية، التي تفرضها عليك ظروف الحرب والانهيار الاقتصادي، وصعوبة الحصول على لقمة العيش، أو انعدامها، فإن معاناتك تبدو هيِّنة بالنسبة لآخرين. هناك من  يواجهون كل هذه الظروف مجتمعة، مضافاً إليها آلام وأعباء مرض قاتل يفتك بأحبائهم وينهك حياة الأسر -إن لم يدمرها.

قبل الحرب، كانت تقارير منظمة الصحة العالمية تتحدّث عن تسجيل 20 ألف إصابة بالسرطان في البلاد سنوياً، وفقاً لتقارير 2009. 

المشكلة ذاتها، التي تواجهها البلاد الآن وتفاقمت بفعل الحرب، كانت هي نفسها قبلها، فالنظام الصحي الهش، المحدود والضعيف، لم يكن مهيأ لمواجهة هذا المرض القاتل، لذلك كان 60 %منهم يموتون، ومن يتماثلون للشفاء، لا يعيش منهم 20 % أكثر من عام.

في ديسمبر  الماضي، قال وزير الصحة إن عدد الإصابات السنوية بالمرض يصل إلى 30 ألف حالة. بالطبع، فإن هذه الحالات المسجَّلة لا تعكس الواقع الفعلي، فالأطباء والمختصون يتحدَّثون عن جزء أكبر مفقود من قصة الكارثة، يتعلَّق ربما بضعف هذا العدد لا يصلون إلى المراكز الطبية، أو يموتون دون أن يتم تشخيص حالتهم، فضلاً عن من يسافرون للعلاج في الخارج.

ما هو لافت أن محافظة تعز تحتل المرتبة الأولى في الإصابات، وهناك تزايد في أعداد المصابين سنوياً بشكل مفزع.  في آخر إحصاء عام 2024م بلغ عدد حالات الإصابة الجديدة بالمرض "1626"،  بزيادة تقدّر ب34% مقارنة بالعام الذي سبقه. 

على أن الأمر لا يقتصر على السرطان، فثلثا حالات الإصابة بفيروس الكبد الوبائي (B) في اليمن، مسجلة في تعز، وفقاً لإحصاءات قديمة. هذه المعطيات تحتاج إلى دراسات علمية معمّقة لمعرفة ما الذي يجعل هذه المحافظة أكثر عُرضة لهذا النوع من الأمراض الخطرة.

داخل هذا المشهد، الذي يتفاقم بصورة مروّعة، هناك سرطان الثدي الذي يفتك بالنساء، وتداعياته تتجاوز الحالات المصابة إلى صناعة مشكلات اجتماعية دمَّرت أسراً بسبب الفقر وقلة الوعي، وكانت المرأة تدفع الثمن مضاعفاً: من جسدها وحياتها، ومن محيطها وعلاقاتها الاجتماعية والأسرية.

هذا النوع من السرطان تبلغ نسبة الإصابة به أحياناً نحو 40 في المئة من النسبة الكلية المسجّلة لمختلف أنواع المرض، كما قال لي طبيب أورام. 

جزء من المشكلة في تعز أن مركز الأمل لعلاج الأورام لا يمتلك جهاز "الماموجرام" الخاص بتشخيص سرطان الثدي. لذلك معظم الحالات التي تُكتشف تصل وهي في مراحل متقدِّمة، وغالباً تكون غير قابلة للشفاء.

أمام هذا الحال المخيف والمزري، لا زالت المؤسسات الصحية، التي أنشئت لمواجهة هذا المرض الخطير قبل نحو 3 عقود بمبادرات مدنية، إما تراوح عند اللحظة نفسها التي تأسست فيها، أو أنها تدهورت مع الحرب.

ما زالت جهود مكافحة السرطان تعتمد على التبرّعات، وعلى ما تقدِّمه المنظمات الدولية مع مساهمة محدودة من الحكومة، في المقابل هناك إخفاق واضح يجعل من هذه المؤسسات هياكل للتشغيل الإداري ، بلا أي رؤية للتطوير والتأهيل الأكاديمي لكادر طبي متخصص.

في تعز، مثلاً، يقدم مركز الأمل لعلاج السرطان خدماته للمواطنين من محافظات عدة مجاناً، مع ذلك يفتقد لأجهزة الأشعة، كما يفتقد لأجهزة أساسية ذات صلة بالكشف المبكر عن السرطان، لهذا السبب تُهدر عشرات الملايين شهرياً لدفع فواتير الأشعة للمرضى، بينما يمكن توفير الأجهزة عن طريق تبرّعات رجال الأعمال، أو بالضغط على الحكومة، أو حتى عن طريق الاقتراض وتحويل المبالغ المدفعوعة شهرياً إلى أقساط!

لا تزيد قيمة جهاز "المامو جرام" التشخيصي لسرطان الثدي عن 140 ألف دولار. المبلغ إجمالاً ليس بتلك الضخامة، إذ يبدو يسيراً على أي رجل أعمال، في محافظة تضج بالكثير من اللافتات والعائلات التجارية الكبيرة العابرة لحدود الدّول، أن يتبرع به كنوع من رد الجميل لتعز، لكن حتى اللحظة لم يفعل أحد رغم كثرة المناشدات والمرضى.

ذات مرة، اقترح أحدهم على رجل أعمال من صنعاء تحمّل تكاليف شراء الجهاز. الشخص المعني عضو في مجلس أمناء المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان، التي تمثل الهيكل الإشرافي الأكبر على فروع المؤسسة في صنعاء وتعز. اعتذر الرجل بلباقة، و كانت حجته أنه لا يستطيع أن يفعل "وبيت هائل سعيد موجودين"! ربَّما لديه بعض الحق، سيما أن الرّجل تكفل بتوفير جهاز مشابه لمركز علاج الأورام في صنعاء.

في الدِّول "الكافرة"، بنظر البعض، تفرض القوانين على الشركات ورجال الأعمال إنفاق 10 في المئة من أرباحهم في الأعمال الخيرية، أما المسؤولية الاجتماعية نحو المحيط، الذي تنشط فيه، فلا يحتاج لأي نقاش. وهناك دول عديدة، على رأسها مصر، أنشأت بالتبرعات الطوعية لرجال الأعمال والمشاهير والمساهمات الشعبية، مؤسسات ضخمة لمكافحة وعلاج السرطان، وحولت جزءا منها إلى مراكز أبحاث علمية متخصصة بالمرض.

كل الأفكار الملهمة والخلاقة، التي أطلقها العالم كتعبير عن التكافل والتعاضد الاجتماعي في مواجهة الأوبئة والأمراض القاتلة، كانت تنتهي في اليمن إلى مشكلة إضافية أحياناً، أو أنها تراوح مكانها عند لحظة إطلاقها دون تطوير أو تُفرغ من مضمونها لتصبح شيئاً آخر. 

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى مركز الأمل لعلاج السرطان في عدن، وكيف انتهى إلى مشكلة تتجول في أروقة النيابات والمحاكم!

في كل الأحوال، نحن أمام كارثة أخرى، وموت يتسلل خلسة في بلد أبوابه مفتوحة لكل مخلفات العالم: من  المبيدات السامة والمحرَّمة دوليا، كتجارة تديرها مليشيا الحوثي، إلى الأدوية المهربة والسلع الغذائية، وكل المدخلات الصناعية التي لا تخضع لأي ضوابط أو رقابة.

إن التبرَّع لمؤسسات السرطان بالأجهزة والمعدات والأموال أمر مهم وضروري، لكنه وحده لا يكفي. يجب أن تفعّل الجهات الإشرافية عمليات المساءلة والرّقابة، مع تطبيق صارم لآليات الحوكمة في إدارتها التنفيذية، لتحقيق الهدف الأسمى من وجودها، وهو خدمة المرضى، وبناء قدرات طبية كفوءة، مؤهلة، وتحظى بالرعاية.

مقالات

رغم مسار التهدئة هذه الدول لن تعرف الراحة قريبا

لا تبدو المنطقة على أبواب استقرار حقيقي بعد إنجاز مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، فرغم اللقاءات التي أعقبتها في كل من سويسرا وقطر، فلا يزال التوتر قائما والأعصاب مشدودة وكل طرف يحاول عرقلة تنفيذ المكاسب التي حققها الطرف الآخر في المذكرة- الاتفاق، وقد تمضي الستون يوما المنصوص عليها في المذكرة دون تحقيق تقدم يذكر في ملفي النووي والأموال المجمدة؛ إذ ما زال الجميع مشغولين بملف مضيق هرمز الذي حركته الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي أدركت أنه نقطة قوتها الأساسية التي ستلوي بها يد العالم كله.

مقالات

إسرائيل لم تعد فوق السؤال في واشنطن

لطالما احتلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل مكانة استثنائية في السياسة الخارجية الأمريكية. فعلى مدى عقود كانت الخلافات السياسية بين الإدارات الأمريكية والحكومات الإسرائيلية تأتي وتذهب، بينما ظل دعم إسرائيل واحدا، من القلائل، من ثوابت السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط التي حظيت بإجماع الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

مقالات

من يملك بندقية الدولة؟

ثمة قواعد في السياسة تحتمل الاستثناء، وقاعدة في بناء الجيوش تكاد لا تحتمله: القوة العسكرية التي ينشئها الخارج من خارج خزينة الدولة وسلسلة قيادتها لا يبقى قرارها وطنيًا عند أول تعارض جدي بين مصلحة الممول ومصلحة البلد الذي تحمل علمه.

مقالات

أي جيش يُبنى في اليمن ؟!

لقد أثار المقطع المتداول والمنشور عبر المنصة الرسمية لقوات "درع الوطن"، والذي يهاجم فيه أحد مشائخ التوجيه المعنوي الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان أمام أفراد القوة العسكرية ، سؤالًا يتجاوز الشخص إلى الدولة نفسها: أي عقيدة عسكرية تُبنى اليوم؟ في لحظة يفترض أن تنصرف فيها جهود الجيش إلى استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي، يجري توجيه البوصلة نحو خصومات سياسية وفكرية لا علاقة لها بوظيفة المؤسسة العسكرية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.