مقالات

اليمن.. عائدات غائبة وثروات مسروقة

10/11/2025, 12:58:31

وكأنّ الخراب في اليمن لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل صار حالةً يوميةً تتنفّسها البلاد. مفارقةٌ طويلةُ العمر، يتجاور فيها الجمال الطبيعي مع الفوضى الاقتصادية، وتتماهى فيها ثرواتٌ لا تُضاهى مع واقعٍ يزداد فقرًا كلما ازداد انغماسًا في الفوضى. بلدٌ يمشي فوق كنوزه وكأنه لا يراها، ويصدّر أفضل ما لديه، بينما يزداد شعبه جوعًا لما تبقّى.

شاهدت اليوم مصادفةً مقطعًا ترويجيًا لفاكهة الرمان اليمني في أحد المتاجر الكويتية. فيديو بسيط في شكله، لكنه كان كافيًا ليوقظ مفارقةً اقتصاديةً موجعة: كيف تُباع أجود الثمار اليمنية في أسواق الخليج بدولارٍ واحد للكيلوغرام، بينما يقف اليمني أمام الثمرة نفسها بثلاثة أضعاف هذا السعر وبجودةٍ أدنى؟ وكيف يتحوّل التصدير من فرصةٍ لإنعاش اقتصادٍ مهدور إلى مسارٍ موازٍ يعمل خارج ميزان الدولة وداخل جيوب حفنةٍ من المهربين والنافذين؟

غريبٌ كيف يمكن لثمرةٍ يمنيةٍ بسيطة أن تفضح واقعًا كاملًا.

فما يُصدَّر اليوم من أفضل محاصيل اليمن لا يظهر في دفاتر الدولة إلا كأرقامٍ هزيلةٍ لا تعكس واقع الإنتاج ولا واقع التهريب. فقد كانت التقارير الدولية تقدّر صادرات الفواكه والخضروات اليمنية قبل الحرب بما بين 150 و200 مليون دولار سنويًا [1]، لكنها انحدرت خلال سنوات الحرب إلى أقل من 40 مليونًا [2]. ومع ذلك، فهذه الأرقام ليست سوى الجزء القابل للقياس من تجارةٍ أكبر بكثير، لأن القسم الأعظم من التصدير يجري عبر شبكاتٍ غير رسميةٍ تتجاوز الجمارك والبنوك، ولا تظهر في أي سجل حكومي [3]. وهكذا تبدو الأرقام الرسمية وكأن اليمن بلدٌ محدود الإنتاج، بينما الحقيقة أن الإنتاج موجود، لكن عائده غير موجود.

وفي مقابل هذا الانكماش الرسمي في الصادرات، يستورد اليمن فواكه من الخارج بأكثر من ربع مليار دولار سنويًا [4]، رغم أن بيئته الزراعية من أغنى البيئات في المنطقة. والمفارقة أن البلد الذي يزرع الأفضل، يشتري الأسوأ ويدفع فيه أكثر مما يدفعه المستهلك الخليجي نفسه. هذا التناقض لا يمكن تفسيره بمنطق السوق، بل بمنطق اقتصادٍ موازٍ يعيش فوق الدولة وتحتها وفي غيابها معًا.

ولا تقف القصة عند حدود الرمان؛ فهي جزءٌ من مشهدٍ أطول عمرًا. ففي عقود النظام السابق، كانت الثروات الزراعية والسمكية والمعدنية والنفطية تُدار كامتيازاتٍ خاصة، تُحتكر وتُهرّب وتُوزَّع وفق مراكز النفوذ لا وفق مصالح الدولة. وما فعلته الحرب لاحقًا لم يكن سوى إزالة الغطاء المتبقّي عن تلك الشبكات. فالنظام القديم كان شريكًا صامتًا في كثيرٍ من عمليات التهريب المنظَّم، أما الحرب فحوّلته إلى نشاطٍ علنيٍّ معرّى من كل التزامات الدولة.

ويتكرّر المشهد في قطاع النفط، حيث هبطت عائدات التصدير من أكثر من سبعة مليارات دولار قبل الحرب [5] إلى ما دون نصف مليار في معظم سنوات الصراع [6]، بينما يستورد البلد مشتقاتٍ نفطيةً تزيد قيمتها على ملياري دولار سنويًا [7]. بلدٌ يملك النفط لكنه يدفع أكثر مما يكسب، ويملك الفواكه لكنه يستورد ما هو أدنى جودة. ليست هذه مجرّد أرقام؛ إنها إعلانٌ صريح عن غياب السيادة الاقتصادية.

وفي قلب هذا المشهد، يقف الجميع خاسرًا:
المزارع الذي يبيع محصوله بثمنٍ بخسٍ لوسيطٍ لا يملك غيره، والمستهلك الذي يدفع سعرًا مضاعفًا لجودةٍ متدنية، والدولة التي لا ترى دولارًا واحدًا من صادراتها. بينما تذهب الأرباح الحقيقية إلى شريحةٍ ضيّقةٍ تتضخّم حساباتها في الخارج، في بنوك بعيدة لا تعرف من اليمن إلا اسم العميل.

هذه الصورة ليست تفصيلًا اقتصاديًا، بل خلاصة ما آلت إليه دولةٌ تُنهَب من جذورها. ثروتها تغادر حدودها، وعائداتها تستقرّ في الخارج، بينما يعود إليها القليل الذي لا يكفي حتى لتغطية تكاليف الاستيراد. وما يكشفه مقطعٌ ترويجيٌّ لفاكهةٍ يمنيةٍ ليس قيمة ثمرة، بل قيمة دولة. دولةٌ فقدت قدرتها على تحصيل نصيبها من خيراتها، وفقدت سيطرتها على طرق تجارتها، وتركت اقتصادها يتشظّى بين الحرب والتهريب والنفوذ.

وهكذا يستمر المشهد: اليمن يصدّر الذهب ويأكل الرماد، ويترك خيراته تمرّ عبر المنافذ بلا أثر، ثم يعود لشراء حاجاته الأساسية من السوق العالمية بأسعارٍ لا ترحم. وما لم تستعد الدولة سيادتها على ثروتها، ستظل الأرض تعطي، ويأخذ الجميع إلا أصحاب الأرض.

قائمة المراجع:

1) البنك الدولي. مؤشرات التنمية العالمية: قطاع الزراعة في اليمن، 2013.
World Bank. World Development Indicators: Yemen Agriculture, 2013.

2) فريق خبراء مجلس الأمن الدولي بشأن اليمن. التقرير النهائي المرفوع إلى مجلس الأمن، 2019.
UN Panel of Experts on Yemen. Final Report to the Security Council, 2019.

3) الأمم المتحدة الإنمائية. اقتصاد الظل في اليمن: تحليل ديناميات النزاع، 2020.
UNDP. Yemen’s Shadow Economy: Conflict Dynamics, 2020.

4) الأمم المتحدة. قاعدة بيانات التجارة الدولية (UN Comtrade) – الواردات الغذائية لليمن، 2019–2022.
United Nations. UN Comtrade Database: Yemen Food Imports, 2019–2022.

5) وزارة المالية اليمنية (قبل 2014). البيانات السنوية للعائدات النفطية، 2010–2013.
Yemen Ministry of Finance. Annual Oil Revenue Data, 2010–2013.

6) البنك المركزي اليمني – عدن. النشرة الاقتصادية الفصلية، 2018–2020.
Central Bank of Yemen (Aden). Quarterly Economic Bulletin, 2018–2020.

7) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. قطاع المشتقات النفطية في اليمن: تحليل اقتصادي، 2021.
UNDP. Yemen Fuel Market Dynamics, 2021.

مقالات

هذا ما يمكن أن تقرأه عندما "تفتش" في عقل ترمب

قد يجد المتابع طريقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للحرب ضد إيران نفسه مربكا بين ما يريده ترمب بالفعل، وبين سيل التصريحات المتدفقة التي تعبر عن شخصيته النرجسية واعتداده بذاته، أو تلك التي تعبر عن عقلية التاجر الذي يمارس كافة أشكال المناورة، ورفع الأسعار وسياسة حافة الهاوية، أو تلك التي يرغب من خلالها أن يظل هو "مركز الحدث"، والعنصر المحرك في الإعلام؛ حتى لو اقتضى ذلك "ماكينة" لا تتوقف عن التصريحات المضللة.

مقالات

شهادة حول الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي

لم أكن قد التقيت به أثناء زياراتي لعدن، إذ كان العقيد عبد ربه منصور هادي من الصف الثاني في قيادة شطرنا الجنوبي، كان ضابطاً وقائداً محترفاً مؤهلاً في الجيش، إذ التحق به أثناء الاستعمار البريطاني، وتلقى دراسته العسكرية في بريطانيا، زميلاً للعقيد معمر القذافي، ثم في مصر، وأخيراً في الاتحاد السوفييتي

مقالات

المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر

حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.

مقالات

رئيس في دولة استعصت على الحكم

تولى هادي السلطة في لحظة انتقالية شديدة الهشاشة، خرجت من بنية دولة مثقلة بالصراع ومراكز القوى المتراكمة، ثم انفتحت على فضاء إقليمي ودولي لم يعد فيه القرار اليمني قرارًا مستقلًا بالكامل. ومن هنا، يصبح اختزال تجربته في ثنائية “نجح” أو “فشل” تبسيطًا مخلًا، لأن قواعد اللعبة السياسية نفسها كانت قد انهارت أو تشوّهت منذ البداية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.