مقالات

الإعاشات: بين فساد النخب وأوهام السلام

27/08/2025, 09:23:34

تصاعد الجدل في اليمن مؤخرًا حول ملف ما يُعرف بـ"الإعاشات"، وهي مبالغ شهرية بالدولار تُصرف منذ سنوات لمسؤولين ووجاهات وإعلاميين مقيمين في الخارج.

وقد وصلت هذه المبالغ في أغسطس 2025، وفق تقارير صحفية محلية وشخصيات سياسية، إلى نحو 11 مليون دولار شهريًا (132 مليون دولار سنويًا)، فيما تذهب تقديرات رسمية حكومية إلى أرقام أقل لا تتجاوز 5 ملايين دولار.

هذا التفاوت في الأرقام يعكس غياب الشفافية، ويزيد من حساسية الملف في وقت تعجز فيه الحكومة عن دفع رواتب موظفيها داخل البلاد.

هذا التناقض بين دعم النخب المقيمة في الخارج ومعاناة الشعب من الجوع والأزمة الاقتصادية فجّر غضبًا شعبيًا متزايدًا، خصوصًا مع انكماش الناتج المحلي وارتفاع التضخم بفعل استمرار الحرب.

غير أن الإعاشات لم تكن ظاهرة عابرة، بل امتدادًا لنهج قديم اعتمدت فيه السعودية على المال لشراء الولاءات، سواء عبر زعماء القبائل أو الشخصيات السياسية.

ومع اندلاع الحرب عام 2015، تعززت هذه السياسة من خلال قنوات الدعم الرسمية، مثل الودائع في البنك المركزي اليمني التي بلغت نحو 4 مليارات دولار بين 2012 و2022، تبعتها وديعة إضافية بقيمة 1.2 مليار دولار في 2023 لدعم الموازنة والرواتب.

غير أن هذه القنوات المؤسسية لم تكن معزولة عن قنوات أخرى موازية وغير رسمية، في مقدمتها الإعاشات، التي ظلت مثار جدل وانتقادات واسعة حول سوء الإدارة والفساد.

اليوم، يجد هذا الملف نفسه في قلب تحولات عام 2025، حيث تواجه السعودية ضغوطًا مالية داخلية بفعل تقلبات أسعار النفط وإعادة هيكلة صندوق الاستثمارات العامة، وفي الوقت ذاته تنخرط في مفاوضات مع الحوثيين برعاية الأمم المتحدة منذ 2022. 

وقد تضمنت هذه المفاوضات التزامات سعودية تصل إلى 1.5 مليار دولار لدفع رواتب موظفي الدولة في مناطق سيطرة الحوثيين، مقابل تفاهمات لوقف الهجمات وضبط عائدات النفط. 

هنا يبرز السؤال: هل تمثل هذه الخطوة إصلاحًا ماليًا حقيقيًا عبر وقف الإعاشات، أم أنها مجرد إعادة تدوير للأموال في قنوات جديدة تحت عنوان "الرواتب"، في إطار صفقة سياسية ملتبسة مع الحوثيين تراعي المصالح والاستراتيجيات السعودية قبل أي اعتبار آخر؟

في الداخل، لا تقل الصورة تعقيدًا. فالحوثيون يجنون إيرادات جمركية وضريبية تتجاوز 180 مليون دولار شهريًا، ويمنعون تصدير النفط من مناطق الحكومة، ما يتسبب في عجز مالي يفوق 45 مليار ريال يمني شهريًا، فضلًا عن تضييقهم على العمل الإنساني، بما يفاقم معاناة أكثر من 17 مليون يمني مهددين بانعدام الأمن الغذائي.

وفي المقابل، تبدو الحكومة الشرعية أسيرة لهذه الإعاشات، ما أضعف مشروعيتها وأفقدها ثقة الناس، خاصة بعد تسريبات متكررة عن إنفاق فاخر في سفارات وقنصليات خارج البلاد، فيما تنحصر قدرتها على إدارة الداخل في حدود دفع بعض الرواتب وإجراء إصلاحات جزئية محدودة. 

أما المنظمات الدولية، فرغم دورها الإغاثي، فإن غياب الشفافية في بعض التمويلات ساهم بدوره في ترسيخ الاختلالات القائمة.

بهذا المشهد، يتضح أن السعودية أعادت صياغة معادلة النفوذ والشرعية عبر المال: استقرار هش للموازنة يقابله تكريس للتبعية السياسية، على نحو يكرّس إدارة النفوذ وضبط إيقاع الولاءات أكثر من بناء الدولة.

ومع الضغوط الدولية المتزايدة لمكافحة التمويل غير المشروع، تبدو الرياض بصدد إعادة تشكيل أدواتها، من دون أن يتغير جوهر السياسة.

إن ملف الإعاشات لا يكشف فقط عن فساد أو محاباة، بل عن أزمة أعمق تتعلق بغياب دولة وطنية قادرة على إدارة مواردها باستقلالية. 

فاستمرار الإعاشات أو وقفها لن يغير من حقيقة أن القرار المالي مرتهن للخارج، وأن الموارد ما تزال تُدار سياسيًا لا مؤسسيًا. 

والحل لا يكمن في استبدال قناة تمويل بأخرى، بل في بناء إدارة شفافة للموارد وفك الارتباط بين الدعم الخارجي والولاء السياسي. 

ويبقى الشرط الأساسي لأي إصلاح حقيقي هو عودة السلطة الشرعية لممارسة أعمالها من الداخل في المناطق المحررة، إذ لا يمكن لدولة أن تُدار من المنفى وتظل قادرة على استعادة ثقة مواطنيها.

دون ذلك، سيبقى اليمن أسير دائرة مغلقة تعيد إنتاج الفساد والأزمات بأشكال مختلفة.

مقالات

هذا ما يمكن أن تقرأه عندما "تفتش" في عقل ترمب

قد يجد المتابع طريقة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للحرب ضد إيران نفسه مربكا بين ما يريده ترمب بالفعل، وبين سيل التصريحات المتدفقة التي تعبر عن شخصيته النرجسية واعتداده بذاته، أو تلك التي تعبر عن عقلية التاجر الذي يمارس كافة أشكال المناورة، ورفع الأسعار وسياسة حافة الهاوية، أو تلك التي يرغب من خلالها أن يظل هو "مركز الحدث"، والعنصر المحرك في الإعلام؛ حتى لو اقتضى ذلك "ماكينة" لا تتوقف عن التصريحات المضللة.

مقالات

شهادة حول الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي

لم أكن قد التقيت به أثناء زياراتي لعدن، إذ كان العقيد عبد ربه منصور هادي من الصف الثاني في قيادة شطرنا الجنوبي، كان ضابطاً وقائداً محترفاً مؤهلاً في الجيش، إذ التحق به أثناء الاستعمار البريطاني، وتلقى دراسته العسكرية في بريطانيا، زميلاً للعقيد معمر القذافي، ثم في مصر، وأخيراً في الاتحاد السوفييتي

مقالات

المرتزقة والميليشيات: سلاح أبوظبي لتفتيت الدول على ضفتي البحر الأحمر

حين نشرت هيومن رايتس ووتش في مايو 2026 تقريرها عن تجنيد مقاتلين كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع في السودان، خرجت القضية من حدود واقعة جديدة في حرب دارفور إلى سؤال أوسع عن طبيعة الحروب التي تتشكل اليوم في المنطقة. فهذه الحروب لا تدور فقط بين جيوش محلية وخصوم داخليين؛ بل تتحرك خلفها شركات أمنية، ومقاتلون عابرون للحدود، وخطوط إمداد لا تظهر دائمًا في نشرات السياسة، غير أن أثرها يصل إلى المدن المحاصرة والقرى المحروقة ومخيمات النزوح. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن مقاتلين كولومبيين جرى استقدامهم عبر شركة أمنية مقرها أبوظبي، وأن بعضهم وصل إلى السودان بعد المرور بمنشآت عسكرية إماراتية؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات وتؤكد أن دورها في السودان إنساني لا عسكري.

مقالات

رئيس في دولة استعصت على الحكم

تولى هادي السلطة في لحظة انتقالية شديدة الهشاشة، خرجت من بنية دولة مثقلة بالصراع ومراكز القوى المتراكمة، ثم انفتحت على فضاء إقليمي ودولي لم يعد فيه القرار اليمني قرارًا مستقلًا بالكامل. ومن هنا، يصبح اختزال تجربته في ثنائية “نجح” أو “فشل” تبسيطًا مخلًا، لأن قواعد اللعبة السياسية نفسها كانت قد انهارت أو تشوّهت منذ البداية.

نستخدم ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) خاصة بنا. بمواصلة تصفحك لموقعنا فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط (كوكيز) وعلى سياسة الخصوصية.