نساء صنعاء.. القهر والأوجاع يسكنان بيوتنا ولم تعد أسرنا قادرة على التحمل

  • 25,Jan 2018
  • المصدر: قناة بلقيس - فاطمة الحطامي

كان العام 2013 يلملم اخر شهوره مستعداً للرحيل عندما غادرت صنعاء وقليل ما عرفت أن ذلك العام سيكون آخر عهدي بها حتى اللحظة.

 

غادرت صنعاء بعين واسعة تحاول جمع مايمكن جمعه من ملامح مدينة بدأت تكتسي السواد. لا أحمل في ذاكرتي سوى كل جميل عن مدينة عشت فيها ما يربو على العقدين من الزمن.

عايشت ثورة فبراير وخلقت مع غيري أحلاماً لغدٍ أفضل لم يكن ليأتي. اصطدمت أحلامنا في مستقبلٍ أفضل بجدار أسمك ما يكون لواقع لم يكن أكثر من حربٍ وأزمات طاحنة شلت كل آمالنا واستطاع القليل منا الخروج مرغماً آملا في حياة أفضل.

 

مرت على المدينة الكثير من الليالي الحالكة ومنذ احتلال ميليشيا الحوثي لمدينة صنعاء وإحكام قبضتهم عليها بعد عام من رحيلنا عنها يبدو مستقبل المدينة و سكانها في منحدر لا نهاية له ،و يعترض كل مرحلة من سقوطهم ما لا يمكن تخيله من صعوبات الحياة و كل ما لا يمكن لإنسان تحمله.

 

يمكن للعابر في جنبات شوارعها أن يسمع أنين المرضى وقرقرة بطون الجوعى. ولا يخلو أي طريق من وجوه العابسين اليائسين ممن وجدوا أنفسهم في حفرة لا قرار ولا سطح لها.

 

وكل حجر في المدينة يخفي من الأوجاع ما يمكن لمجلدات أن تحكيه... ما كانت صنعاء الحضارة ذات يوم أصبحت مأساة إنسانية هي الأسواء ويراها كل العالم إلا من يحكمها.

 

تحدثت مع الكثير في محاولة بسيطة لألتمس بعض معاناتهم وأراد الكثير نقل ما يعانون وهنا كان متنفساً لهم بعد أن وجدوا كل شكواهم تمر على أذان صماء.

 

روايات قاسية:

 

تحكي (ن) مدرسة رياضيات في إحدى المدارس الحكومية عن معاناة المدرسين بسبب عدم تسليم المرتبات. تقول وصلنا إلى مرحلة لا يمكن تصورها من الحاجة. خرجنا من بيوتنا بعد أن عجزنا عن تسديد الأجرة و أصبحنا نشعر أننا كالمتسولين ننتظر بعض التبرعات من التجار الذين أصبحوا لا يجدون الكثير للتبرع بسبب سياسات الحوثيين. تحكي (ن) عن مدرس يبلغ من العمر ما يقارب الستين عاما، عجز عن معالجة ابنته المريضة و المياة البيضاء غزت عينه و لا يملك علاجاً لها.

 

هو فقط يعيش على أمل الحصول على مبلغ للقيام بالعملية.... تختم حديثها قائلة لم نعد نعيش حياة كالأسوياء بسبب جماعة دموية تحكم البلاد وتقتل الناس ونحن لم نعد نحلم بأكثر من تأمين القوت لأولادنا. الجوع والذل ليسا إلا جزءاً بسيطاً من معاناة الناس في صنعاء في قصة تتكرر أحداثها في كل المدن التي ترزح تحت قبضة الحوثيين.

 

تقول (ت) التي تعمل في مركز تعليم اللغات والترجمة التابع لجامعة صنعاء أنهم هم أيضا يعانون من عدم تسليم المستحقات... تعودنا ألا نتسلم مرتباتنا بعد أسبوع من الموعد المحدد والآن لا نستلمها إلا بعد القيام بإضراب جزئي نطالب فيه بتسلم مستحقاتنا.

 

مؤخرا حاولنا القيام بالإضراب فأتى الأمر من الإدارة بمعادوة العمل وتم تسليمنا "سلفة" من المرتب رغم المدخول الكبيرللمركز. بالنسبة لسمر فقد عايشت هي الأخرى قصصا و أحداثاً لم تكن لتخطر لها على بال.

 

نزحت سمر مع ولديها وزوجها نحو قرية بعيدة في تعز حين اشتد القصف على صنعاء. هناك رأيت عائلات نزحت من صنعاء بعد أن تهدمت منازلهم وخسروا أعمالهم. بسبب أنهم لم يكن لديهم مرتب شهري أو مصدر رزق فقد ضاق الحال بمن قاموا باستقبالهم و بدأوا بمطالبتهم بالمساعدة في تكاليف الحياة.

 

تتساءل سمر كيف يمكن لميليشيات الحوثي أن تتوقع من الشعب أن يعيش على اللا شيء. بعض المساعدات تصل بين كل فترة واخرى ولكنها كقطرة مطر نزلت في صحراء موحشة. لا تشبع جائعا ولا تأوي مشردا.


معاناة مضاعفة:

 

المآسي تخيم على كل عائلة وبيت في صنعاء لا يملكون لعيشتهم حولا ولا قوة. كريمة مدرسة لغة إنجليزية في إحدى معاهد صنعاء. تقول كنا نشعر أن مبلغ 1000$ دولار شهريا يعد مبلغاً لا بأس به ولكن بعد أن ارتفعت الأسعار بشكل جنوني كيف يمكن لنا أن نتأقلم مع الوضع وفي نفس الوقت نوفر الأساسيات من الغذاء والدواء والماء.

 

انخفض مرتبها ل 10000ريال شهرياً تدفع بالتقسيط لا تكفي حتى للأساسيات لأسرةٍ كبيرة كل أفرادها لم يستلموا مرتبات منذ ما يزيد عن سنة.

 

تصف كريمة الوضع باللإنساني والمقيت.وتقول لم نعد نلوذ سوى بالصمت فكل من يتجرأ على الإنتقاد يهوي بنفسه في هاوية لا قاع لها.. أما ثريا فتقول أنه ومنذ سيطرة الحوثيين على صنعاء فقد ذاقوا كل أنواع الظلم والقهر...تقارن ثريا السنين التي سبقت احتلال الحوثي للمحافظات ومنها صنعاء بما يعيشه الشعب اليمني حالياً.

 

تقول "أصبحنا نتمنى الرجوع لعهد الظلم السابق فرغم كل شي كنا نستطيع أن نعيش أما الآن فقد عرفنا وذقنا ألوانا و أنواعاً من الظلم والقهر لم نكن لنظن أن نعيشها... والد ثريا يعمل في القوات المسلحة وكغيره لم يستلم راتبه منذ أشهر طويلة. ووجد أخوها نفسه مثقلا بتوفير القوت لمنزل أهله ومنزله الذي يسكنه مع عائلته الصغيرة. تقول ثريا أن عائلة من الجيران اضطرت ايضا لمغادرة منزلها والسكن بأحد الـ "دكاكين" الصغيرة.

 

غرفة واحدة تأوي أسرة بأكملها: أم وأب وأطفال. الأرامل كان لهم نصيب أيضاً فأرملة وأم لطفلين تغيب عن الأنظارهي وطفلها لا يسألون الناس إلحافاً ولا أحد يعرف عنهم حتى تذهب لتطلب بعض العون بعيون دامعة تحكي كل دمعة فيها عن أيام باتوها ببطون جائعة.

 

مستقبل مجهول:

 

للطلاب مستقبل غامض في ظل حكم ميليشيا الحوثي... حنين طالبة في كلية الصيدلة تقول أنها رسمت أحلامها عاماً يليه عام وجاء آخر أعوام دراستها متزامنا مع عاصفة الحزم واحتلال الحوثيين لصنعاء. أحداث كانت نتيجتها غيمة سوداء خيمت على كل طلاب المستويات الدراسية... كان أول أحلامها أن تحصل على مرتبة في أوائل الجمهورية يمكنها من الحصول على منحة لجامعة أكسفورد ولكن لم تعد تحلم سوى بإكمال عامها الدراسي الأخير بخير. تقول حنين أنها رغم كل الظروف تحصلت على معدل مرتفع في الثانوية وعمل والدها جاهداً ليؤمن لها تكاليف دراسة اللغة الإنجليزية قبل دخولها الجامعة.

 

تستمر معاناتها مع التكاليف المرتفعة وهي ترى والدها "يكبر كل يوم مائة عام محاولا بجهد توفير متطلبات ستة أفراد أربعة منهم طلاب في مراحل مختلفة". تستمر معاناة حنين وعائلتها بانقطاع المرتبات بسبب استيلاء الحوثيين على جميع أموال المناطق الخاضعة لسيطرتهم في مقدمتها العاصمة صنعاء.


طفح الكيل:

 

ريم ووالدها..هم أيضاً من ضحايا الظلم المأساوي في صنعاء... وجد والد ريم نفسه لا يملك حولا ولاقوة لإطعام عائلته بعد أن تم تسريحه من عمله في شركة أمن فاضطر أن يقبل على مضض أن يذهب لجبهات القتال بعد أن أقنعه أحد "أصدقائه". لم يملك إلا أن يخاطر بحياته لكي يتحصل على بضع ريالات نهاية كل شهر ينفقها على أسرته.

 

لم يكد يذهب حتى وجد نفسه يقوم بمواراة ابنته ريم الثرى التى أطلقت على نفسها الرصاص من السلاح الذي تسلمه من الحوثيين... وذهب ولم يعد هو أيضا... تلك العائلة اختفت هي أيضا... تقول وجدان ليس من كل هم في الجبهات يذهبون حقا للقتال، كثيرٌ هم من يذهبون على وعد أن يتحصلون على راتب شهري لتنفقه أسرتهم ويقونهم شر الحاجة... والد صديقتي ذهب للقتال هناك لنفس السبب وقُتل هناك وحينها توعد إخوته للأخذ بثأره وذهبوا هم أيضا... توفي أحدهم وأصيب الآخر.

 

الحكايات لا تنتهي والمعاناة دائمة..ويبدو الحل للوضع ليس في الإمكان... تبدو كل الحلول تسير في طريق مبهمة لا نهاية لها... تقول عفراء استطاع الحوثيون تركيع الشعب، قاموا بتجويعه و هم الآن يعرفون أن الشعب مشغول بإيجاد لقمة العيش.


اليأس أحياناً:


لم يعد لدى الشعب إي قوة أو حتى رغبة في البقاء،. أم جنات تقول فقد الشعب الأمل في وجود قيادة أو مقاومة حقيقية ذات مغزى. كل من يدعي القيام بمعارضة الوضع الحالي يكون الغرض الخفي هو مصالح شخصية. يجب أن يكون هناك قيادة منظمة موحدة قبل التفكير بأي ثورة ضد الحوثيين. سمر أيضا ترى أن الحل لا يلوح في الأفق القريب.


تقول سمر أن الحوثي استطاع أن يستغل جهل الشعب والقبلية المنتشرة حيث أن كل شخص هو عدو الآخر ونسبة كبيرة دائماً تقوم بمساندة الجبابرة. وترى سمر أن الحل الأمثل في انتخابات جديدة تعم البلاد لا تسمح لأي من كل من مر على الشعب من قبل لأن جميع من قام على حكم اليمن حتى الآن لم يثبتوا سوى فشلهم.


بشرى أم لأربع بنات وولدين تقول أنها تعارض وبشدة فكرة القيام بالثورة. تعزو بشرى رأيها إلى أن النتيجة ستكون عكسية بحتة. كل أولئك في مواقع السلطة والقوة لن يقبلوا بالرحيل مهما كانت النتائج. وتكمل أنه رغم الحالة المعيشية الصعبة التي يعيشونها فهم يرفضون اتخاذ حل الثورة لأن النتيجة لن تكون سوى مزيد من الضحايا والأبرياء وتستدل بما يحصل في تعز من حصار خانق بسبب رفضهم الاستسلام لسياسات الحوثيين وحكمهم.


ثورة شاملة عامة يشارك فيها كل الشعب بكل أطيافه و فئاته هي الحل الممكن والذي يبدو مستبعدا في الوقت الحاضرحين نأخذ في عين الإعتبار أن الفئة التابعة للحوثي ليست بالقليلة. كل الحلول المطروحة الآن تنتهي في نفق مظلم لا تلوح له أي نهاية.

 

عمليات التدخل الخارجي،الدولي أو الإقليمي على حدٍ سواء لم تجد نفعاً إذ أن جيش الشرعية لم يتلق أي دعمٍ حقيقي حتى يتمكن من التقدم في العاصمة وبقية المدن واستعادة الشرعية المسلوبة... يبقى وضع اليمن مرهوناً بجدية الشرعية والجهود الدولية لإنهاء الأزمة التي عصفت بسبعة وعشرين مليون إنسان يقضون أيامهم في انتظار حل ليعاودوا حياة كانت ذات يوم بسيطة وأصبحت حلماً صعب المنال.